حكم صلاة الجماعة
المطلب الأول: مقدمة وتعريفات:
مقدمة:
من المعلوم أن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ولكي تؤدى الصلاة المكتوبة تأتينا مسألة كيفية إقامة هذه الصلاة للرجال والنساء هل في الجماعة أم لا.
وسنبحث هنا حكم صلاة الجماعة للصلوات المفروضة، ذاكرين أقوال المذاهب الأربعة مع ذكر الأدلة.
تعريفات:
قال في المعجم الوسيط:
الجماعة: هي العدد الكثير من الناس والشجر والنبات وطائفة من الناس يجمعها غرض واحد([1]).
المطلب الثاني: أقوال الفقهاء:
مذهب الحنفية:
قال الزيلعي:
(قال رحمه الله (الجماعة سنة مؤكدة) أي قوية تشبه الواجب في القوة حتى استدل بملازمتها على وجود الإيمان، وقال كثير من المشايخ: إنها فريضة، ثم منهم من يقول إنها فرض كفاية ومنهم من يقول: إنها فرض عين.... (وكره إمامة العبد)... (قال رحمه الله (وجماعة النساء) أي كره جماعة النساء وحدهن.... لم يشرع في حقهن الجماعة أصلاً)([2]).
فمذهب الحنفية على السُنية المؤكدة لصلاة الجماعة للرجل، وكراهة صلاة الجماعة للنساء.
مذهب المالكية:
قال الحطاب:
(إن حكم صلاة الجماعة سنة وهذا هو الذي عليه أكثر الشيوخ، وكثير منهم يقول: سنة مؤكدة، ونقل المازري عن بعض أصحابنا أنها فرض كفاية، وقال في التلقين: مندوبة مؤكدة الفضل، وقال في العارضة: مندوبة يحث عليها، وأجمع ابن رشد بين الأقوال فقال: فرض كفاية من حيث الجملة، سنة في كل مسجد، فضيلة في الرجل في خاصته...)([3]).
فمذهب المالكية بأن صلاة الجماعة فرض كفاية وسنة في كل مسجد وفضيلة في حق الرجل.
مذهب الشافعية:
قال زكريا الأنصاري:
( ولا فرض فيها أي الجماعة على النساء بل تستحب ولا يتأكد استحبابها لهم تأكده للرجال... وهي في البيوت لهن أفضل منها في المساجد... لأنها أستر لهن ولو تركناها أي الجماعة لم يكره لعدم تأكدها لهن...)([4]).
قال زكريا الأنصاري:
(الجماعة في المكتوبة المؤداة للأحرار الرجال المقيمين فرض كفاية)([5]).
قال النووي:
(فالجماعة فرض عين في الجمعة وأما في غيرها من المكتوبات ففيها أوجه: الأصح أنها فرض كفاية، والثاني: سنة، والثالث: فرض عين...)([6]).
فمذهب الشافعية بأن صلاة الجماعة للرجل فرض كفاية ووجهين آخرين الأول بالسنية والآخر بفرض عين، أما المرأة فمستحبة في حقها.
مذهب الحنابلة:
قال المرداوي:
(قوله وهي واجبة للصلوات الخمس على الرجال لا بشرط هذا المذهب بلا ريب وعليه جماهير الأصحاب... وعنه الجماعة سنة.. وعنه أن الجماعة شرط لصحة الصلاة... الثالث: مفهوم كلامه أيضاً: أنها لا تجب على النساء أيضاً وهو صحيح وهو المذهب وعليه الأصحاب.....فائدة: يستحب للنساء صلاة الجماعة على الصحيح من المذهب وعليه الجمهور، .. والرواية الثانية يكره في الفريضة، ويجوز في النافلة. انتهى. وعنه لا يستحب لهن الصلاة جماعة وعنه يكره للشابة.... وعنه يباح مطلقاً....)([7]).
فمذهب الحنابلة على وجوب الجماعة بالنسبة للرجال ورواية بسنيتها وأخرى بأنها شرط لصحة الصلاة، وأما المرأة فمستحبة الجماعة في حقها ورواية بكراهتها في الفريضة وجوازها في النافلة ورواية بكراهتها للشابة.
المطلب الثاني: أقوال المسألة:
القول الأول:
وجوب صلاة الجماعة على الرجال وأما النساء فلا تجب عليهن، وهو مذهب الحنفية في الحكم والحنابلة على المعتمد.
وأما النساء فتكره جماعتهن وهو مذهب الحنفية ورواية عند الحنابلة ورواية يكره للشابة فقط.
القول الثاني:
سنية صلاة الجماعة للرجال واستحبابها، وهو مذهب المالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة ورواية أخرى عند الحنابلة أنها شرط لصحة الصلاة.
المطلب الثالث: أدلة أقوال المسألة:
أدلة القول الأول:
1-قوله تعالى: (( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ))([8]).
وجه الدلالة:
لو لم تكن واجبة لرخص فيها حالة الخوف ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها([9]).
مناقشة الدليل:
قال الماوردي:
المراد بها تعليم صلاة الخوف، وبيانها عند ملاقاة العدو، لأن ذلك أبلغ في حراستهم، لأنهم لو صلوا منفردين اشتغل كل واحد منهم بنفسه، فلم يؤمن سطوة العدو بهم عند انتهاز الفرصة منهم لشغلهم، ولو أمر أن يصلوا معاً لأدى ذلك إلى الظفر بهم، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يفترقوا فريقين، فيصلي بفريق، ويحرسهم فريق، فلم يكن في الآية دليل على وجوب الجماعة([10]).
2-عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجالٍ لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم([11]).
وجه الدلالة:
وفي الحديث ما يدل على أنه أراد الجماعة لأنه لو أراد الجمعة لما همّ بالتخلف عنها([12]).
مناقشة الدليل:
قال النووي: الجواب من وجهين: أحدهما: جواب الشافعي وغيره أن هذا ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى وسياق الحديث يؤيد هذا التأويل وقوله في حديث ابن مسعود رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق صريح في هذا التأويل. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قال: هممت ولم يحرقهم ولو كان واجب لما تركه....([13]).
3-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأله أن يرخص له أن يصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: أتسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب ([14]) .
وجه الدلالة:
لم يرخص للأعمى الذي لا قائد له فغيره أولى([15]).
مناقشة الدليل:
قال النووي: فجوابه ما أجابه الأئمة الحفاظ الفقهاء أبو بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة والحاكم وأبو عبد الله والبيهقي قالوا لا دلالة فيه لكونها فرض عين لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعتاب حين شكا بصره أن يصلي في بيته وحديثه في الصحيحين قالوا وإنما معناه لا رخصة لك تلحقك بفضيلة من حضرها..([16]).
أدلة جماعة النساء:
4-أن أم ورقة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها... وأمرها أن تؤم أهل دارها...([17]).
5-عن ريطة الحنفية قالت: أمتنا عائشة فقامت بيننا في الصلاة المكتوبة([18]).
6-عن حجيرة قالت: أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا([19]).
وجه الدلالة:
في الأحاديث دليل على استحباب الجماعة لهن.
مناقشة الدليل:
تدل الأحاديث على جواز واستحباب صلاة النساء جماعة مع العلم بأن الحديثين الأخيرين حديث ريطة الحنفية وحديث حجيرة متكلم فيهما.
أدلة القول الثاني:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بسبع وعشرين درجة"([20]).
وجه الدلالة:
هذا يفيد الجواز، ولو كانت فرض عين لما جازت صلاته ولو كانت فرض كفاية لما قال صلى الله عليه وسلم أحرق عليهم بيوتهم مع القيام بها هو وأصحابه بل كانت تسقط عنهم بفعله صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه رضي الله عنهم([21]).
مناقشة الدليل:
لا معارضة في بيان الحديث لأفضلية الجماعة عن صلاة المنفرد.
والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
([1]) المعجم الوسيط، باب الجيم، 1/135.
([2]) تبيين الحقائق، 1/132.
([3]) مواهب الجليل، 2/81
([4]) أسنى المطالب، 1/209.
([5]) المقدمة الحضرمية، 1/90، ط الدار المتحدة.
([6]) روضة الطالبين، 1/339.
([7]) الإنصاف، 2/210.
([8]) سورة النساء، آية 102.
([9]) الشرح الكبير4/267.
([10]) الحاوي الكبير، 2/681، دار الفكر.
([11]) صحيح البخاري، حديث رقم 644 ورقم 657، ص 52. صحيح مسلم ، برقم 651، ص 779 .
([12]) الشرح الكبير4/267.
([13]) المجموع، 4/162.
([14]) صحيح مسلم رقم الحديث 653 ص 779.
([15]) الشرح الكبير4/268.
([16]) المجموع، 4/165
([17]) أخرجه أبو داود، برقم 591، ص1267. وأحمد في مسنده، 6/405 برقم 27324. والحاكم في المستدرك، 1/320، برقم 730. والبيهقي، 3/130، برقم 5136.
([18]) أخرجه الدار قطني في سننه، ، 1/404، برقم 2.
([19]) أخرجه الدار قطني في سننه، 1/405، برقم 3.
([20]) أخرجه مسلم في صحيحه ، رقم الحديث 1506، ص781.
([21]) تبيين الحقائق، 1/133.