العورة في الصلاة

 

المطلب الأول: مقدمة وتعريفات:

مقدمة:

الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وللصلاة شروط لا تُقبل الصلاة إلا بها، ومن هذه الشروط شرط ستر العورة.

وبما أن الصلاة واجبة على الرجال والنساء على حدٍ سواء، فإنه يجب عليهما ستر هذه العورة، والعورة تختلف في حدِها بالنسبة للرجال والنساء.

ونحن في هذا المبحث نقوم بعرض حدودها لهما وفقاً للمذاهب الفقهية الأربعة مع ذكر الأدلة والمناقشة والترجيح.

 

تعريفات:

قال الفيومي:

عورة: قيل للسوأة عورة لقبح النظر إليها وكل شيء يستره الإنسان([1]).

قال ابن منظور:

السرة: والسُر بالضم: ما تقطعه القابلة من سرة الصبي([2]).

 

المطلب الثاني: أقوال الفقهاء:

 

مذهب الحنفية:

قال الزيلعي:

((وهي ما تحت سرته إلى تحت ركبته) أي ما بينهما هي العورة... ويروى ما دون سرته حتى يجاوز ركبته... وبهذا يتبين أن السرة ليست من العورة والركبة منها..

(وبدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها) لقوله تعالى: (إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) والمراد محل الزينة وما ظهر منها الوجه والكفان قاله ابن عباس وابن عمر...)([3]).

فمذهب الحنفية في حد العورة بالنسبة للرجل هو ما بين السرة والركبة، وقول مروي عندهم بأن الركبة في العورة بدون السرة.

أما بالنسبة للمرأة في عورتها في الصلاة هو جميع البدن خلا الوجه والكفين والقدمين.

 

مذهب المالكية:

قال النفراوي المالكي:

(عورة الرجل والمرأة بالنسبة للصلاة، وأنها من الرجل والأَمة منحصرة فيهما بين السرة والركبة، ومن المرأة الحرة جميع جسدها إلا الوجه والكفين...)([4]).

وقال قبلها:

( (وأقل ما يجزئ المرأة) الحرة (من اللباس في الصلاة) في خلوة أو جلوة (الدرع الحصيف) بالحاء المهملة وهو الكثيف الذي لا يصف ولا يشف (السابغ الذي يستر) جميع جسدها حتى (ظهور قدميها) حال وقوفها في الصلاة لأن بطونهما في هذه الحالة مستورات فإذا سجدت أو جلست لابد من سترهما لقول مالك رضي الله عنه: لا يجوز للمرأة أن تبدي في الصلاة إلا وجهها وكفيها لأن جميع أجزاءها في حال الصلاة عورة ولو شعرها)([5]).

 

فحد العورة في الصلاة على مذهب المالكية بالنسبة للرجل هي ما بين السرة إلى الركبة.

أما بالنسبة للمرأة فهي جميع الجسد عدا الوجه والكفين فقط.

 

مذهب الشافعية:

قال ابن حجر الهيتمي:

(وعورة الرجل ) أي الذكر الصغير والكبير ( والأمة ) ولو مبعضة ومكاتبة ومستولدة ( ما بين السرة والركبة ... ( و ) عورة ( الحرة ) الصغيرة والكبيرة ( في صلاتها وعند الأجانب ) ولو خارجها ( جميع بدنها إلا الوجه والكفين ) ظهرا وبطنا إلى الكوعين)([6]).

قال زكريا الأنصاري:

(وعورة الحرة في الصلاة وعند الأجنبي ولو خارجها جميع بدنها إلا الوجه والكفين ظهراً وبطناً إلى الكوعين)([7]).

 

فمذهب الشافعية في حد العورة للرجل والمرأة كما يلي:

بالنسبة للرجل فما بين السرة والركبة، ووجه أن السرة والركبة من العورة، ووجه آخر أن الركبة من العورة دون السرة.

أما بالنسبة للمرأة فحد عورتها في الصلاة جميع البدن إلا الوجه والكفين.

 

مذهب الحنابلة:

قال المرداوي:

(الصحيح من المذهب أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة وعليه جماهير الأصحاب نص عليه.

تنبيهات:

الأول: ظاهر قوله ما بين السرة والركبة عدم دخولهما في العورة وهو صحيح وهو المذهب وعليه الأصحاب، وعنه هما من العورة نقله ابن عقيل وغيره، وعنه الركبة فقط من العورة)([8]).

 

قال ابن قدامة:

(والحرة كلها عورة إلا الوجه وفي الكفين روايتان) أما وجه الحرة فإنه يجوز للمرأة كشفه في الصلاة بغير خلاف نعلمه، وإن اختلفت الرواية في الكفين فروي عنه جواز كشفهما... (وما سوى الوجه والكفين فيجب ستره في الصلاة) رواية واحدة...)([9]).

قال (الصحيح من المذهب أن ستر المنكبين في الجماعة شرط في صحة صلاة الفرض وعليه جماهير الأصحاب... وعنه سترهما واجب لا شرط وعنه سنة...، وأما النفل... فهو كالفرض وهو إحدى الروايتين)([10]).

 

فمذهب الحنابلة في حد عورة الرجل هو ما بين السرة والركبة، ورواية صحيحة أن السرة والركبة من العورة، ورواية صحيحة أخرى أن الركبة من العورة دون السرة.

أما بالنسبة للمرأة فجميع بدنها عورة إلا الوجه ورواية بجواز كشف الكفين ورواية أخرى بعدمه.

 

تنبيه: يشترط الحنابلة لجواز صلاة الفرض ستر المنكبين، ورواية بوجوبه، ورواية بسنيته، وأما النفل ففي رواية أنه كالفرض ورواية أخرى بعدم الوجوب.

 

أقوال المسألة:

القول الأول:

عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة.

وعورة المرأة جميع بدنها إلا الوجه والكفين والقدمين.

وهو مذهب الحنفية.

 

القول الثاني:

عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة.

وعورة المرأة جميع جسدها حتى قدميها إلا الوجه والكفين.

وهو مذهب المالكية ومذهب الشافعية ومذهب الحنابلة، وفي وجه عند الشافعية، ورواية صحيحة عند الحنابلة بالنسبة للرجل بأن الركبة والسرة عورة، وفي وجه آخر عند الشافعية ورواية صحيحة عند الحنابلة الركبة عورة دون السرة، وفي المرأة رواية عند الحنابلة بأن الكفين عورة.

 

ستر المنكبين ويشترط عند الحنابلة في صحة صلاة الفرض ورواية أن الستر لهما واجب ورواية سنة والنفل روايتان الأولى: أنهما كالفرض والثانية: أنهما ليست كالفرض.

 

المطلب الثالث: أدلة أقوال المسألة:

أدلة القول الأول:

بالنسبة للرجل:

1-عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((عورة المؤمن ما بين سرته إلى ركبته))([11]).

 

وجه الدلالة:

سيأتي وجه الدلالة([12]).

 

مناقشة الدليل:

قال ابن حجر: وفيه شيخ الحارث داود بن المحبر رواه عن عباد كثير عن أبي عبد الله الشامي عن عطاء عنه وهو سلسلة ضعفاء إلى عطاء([13]).

 

بالنسبة للمرأة:

2-قال تعالى: (( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها )) ([14])

وجه الدلالة: قال ابن عباس رضي الله عنه: ما ظهر منها وجهها وكفاها([15]). ولو كان عورة في العبادات لما وجب كشفهما في الإحرام([16]).

 

مناقشة الدليل:

أن المراد بالآية هو الزينة الظاهرة من لباس خارجي يُرى.

 

دليل القول الثاني:

بالنسبة للرجل:

3-عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قلل: قال صلى الله عليه وسلم: "عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته"([17]).

 

وجه الدلالة:

أي ما بينهما هو العورة([18]). كلمة "إلى" نحملها على كلمة "مع" عملاً بكلمة "حتى" أو عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام "الركبة من العورة"([19]).

 

مناقشة الدليل:

الحديث من رواية أبي أيوب وهو عن طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عنه وإسناده ضعيف فيه عماد بن كثير وهو متروك. وأما رواية أبي سعيد وفيه شيخ الحارث داود بن المحبر عن عباد بن كثير عن أبي عبد الله الشامي عن عطاء عنه وهو سلسلة ضعفاء إلى عطاء، وفي الباب عن عبد الله بن جعفر رواه الحاكم وفيه أضرم بن حوشب وهو متروك([20]).

 

4-قال موسى سمعت علياً رضي الله عنه يقول:

قال صلى الله عليه وسلم: "الركبة من العورة"([21]).

 

وجه الدلالة:

تبين من ذلك أن السرة ليست من العورة، والركبة منها([22]).

 

مناقشة الدليل:

قال الدار قطني أبو الجنوب ضعيف([23]).

قال شيخنا الذهبي في ميزانه: النضر بن منصور واه، قال ابن حبان: لا يحتج به، وعقبة بن علقمة ضعفه الدار قطني وأبو حاتم الرازي وقال: عقبة ضعيف الحديث والنضر بن منصور مجهول([24]).

 

5-عن أبي أيوب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل من السرة من العورة))([25]).

 

وجه الدلالة:

لأن الركبة حد العورة فلم تكن منها كالسرة([26]).

 

مناقشة الدليل:

الحديث مروي عن الدار قطني بلفظ ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل السرة من العورة. وقال الشيخ: وسعيد وعباد قيل في كل منهما: متروك([27]). أهـ

 

6-قوله تعالى: (( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ))([28])

وجه الدلالة:

سبق في أدلة القول الأول.

 

مناقشة الدليل:

سبق في أدلة القول الأول.

 

7-عن أم سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أتصلي في درع وخمار؟ قال: نعم إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها([29]).

وجه الدلالة: الحديث يدل على أنه لابد للمرأة من تغطية ظهور قدميها([30]).

مناقشة الدليل: قال الزيلعي: قال ابن الجوزي في "التحقيق": وهذا الحديث فيه مقال، وهو أن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ضعفه يحيى. وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، والظاهر أنه غلط في رفع هذا الحديث... وقال صاحب التنقيح: وعبد الرحمن بن دينار روى له البخاري في صحيحه ووثقه، لكنه غلط في رفع هذا الحديث([31]).

 

 

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

([1])   المصباح المنير، 2/437،ط المكتبة العلمية ببيروت.

([2])   لسان العرب، 4/356، ط دار صادر ببيروت.

([3])   تبيين الحقائق، 1/95،ط دار الكتب الإسلامي بالقاهرة .

([4])   الفواكه الداني، 1/130،ط دار الفكر ببيروت.

([5])   الفواكه الداني، 1/129.

([6])   المنهاج القويم ، 233.

([7])   أسنى المطالب، 1/176.

([8])   الإنصاف، 1/449، ط دار إحياء التراث العربي.

([9])   الشرح الكبير3/206

([10])  الإنصاف، 1/454.

([11])   سيأتي تخريجه في وجه الدلالة في أدلة القول الثاني.

([12])   سيأتي تخريجه في وجه الدلالة في أدلة القول الثاني.

([13] )   تلخيص الحبير،2/804

 ( [14]  )  سورة النور آية 31. 

([15])   أسنى المطالب1/176

([16])   نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، 2/8،ط دار الفكر ببيروت.

([17])   سيأتي تخريجه.

([18])   تبيين الحقائق، 1/95.

([19])    تبيين الحقائق، 1/95.

([20])   تلخيص التحبير، 2/804.

([21])   سنن الدار قطني، 1/231، برقم 4.

([22])   تبين الحقائق، 1/96.

([23])   سنن الدار  قطني، 1/231.

([24])   نصب الراية، 1/240.

([25])   أخرجه البيهقي في سننه الكبرى، رقم الحديث 3054، 2/229. وأخرجه الدارقطني في سننه رقم الحديث 5، 1/231 .

([26])   سنن البيهقي الكبرى، 2/229، برقم 3054.

([27])   الشرح الكبير 1/ 263.

(2)   سورة النور، آية 31.

(3)   أخرجه أبو داود ص 270،برقم 640، والحاكم 1/380، برقم 915.

([30])   تحفة الأحوذي، 2/315.

([31])   نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، 1/241.