رفع البأس في حكم حلق شعر الرأس

المطلب الأول: مقدمة وتعريفات:

مقدمة:

شعر الرأس هو مما جمّل الله سبحانه به الإنسان سواء الرجل أم المرأة؛ ولكن لابد من الاهتمام والاعتناء به من ترجيل ودهن وغير ذلك.

ولكن لهذا الشعر أحكام، وهذه الأحكام يختلف فيها الرجل عن المرأة         مع الاتفاق على أن الرجل له أن يحلق شعر رأسه بل وبعض المرات يكون من النسك، وسنعرض في هذه المسألة أحكام وأقوال فقهاء المذاهب الأربعة على المعتمد والروايات الصحيحة في مذاهبهم في حكم حلق هذا الشعر للأنثى مع الأدلة والرد عليها ومن ثم رأي الباحث.

تعريفات مهمة لبعض ألفاظ المسألة:

قال ابن فارس([1]): (حلق: الحاء واللام والقاف أصول ثلاثة، فالأول تنحية الشعر عن الرأس...)([2]).

المطلب الثاني: أقوال الفقهاء:

مذهب الحنفية:

قال الزيلعي الحنفي([3]): (حلق رأسها مثلة كحلق اللحية في حق الرجل)([4]).

قال ابن نجيم([5]) الحنفي:

(وتمنع عن حلق رأسها)([6]).

فمذهب الحنفية في حكم حلق جميع الرأس للرجل والمرأة على ما يلي:

بالنسبة للرجل هو الجواز.

بالنسبة للمرأة التحريم.

مذهب المالكية:

قال محمد عرفه الدسوقي([7]): ((قوله وندب تحسين هيئة) المراد تأكد الندب وإلا فتحسينها مندوب مطلقاً (قوله واستحداد) أي حلق عانة وكذا حلق رأس)([8]).

قال النفراوي المالكي: (إنما حرم الحلق على الكبيرة لأنه مثلة في حقها إلا إن كان برأسها أذى فيجوز للضرورة)([9]).

فمذهب المالكية في حكم حلق الرأس للرجل والمرأة على النحو التالي:

بالنسبة للرجل الاستحباب.

بالنسبة للمرأة التحريم.

مذهب الشافعية:

قال محمد الشربيني([10]): (وأما حلق جميع الرأس فلا بأس به لمن أراد التنظف)([11]).

قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري([12]): (أما المرأة فيكره لها حلق رأسها إلا لضرورة)([13]).

فمذهب الشافعية في حكم حلق جميع الرأس للرجل والمرأة:

بالنسبة للرجل الجواز.

بالنسبة للمرأة فالكراهة إلا للضرورة.

مذهب الحنابلة:

قال المرداوي: ((ولا يكره حلق الرأس على الصحيح من المذهب، وعنه يكره لغير حج أو عمرة أو حاجة))([14]).

قال المرداوي: ((ويكره حلق رأس المرأة من غير عذر على الصحيح من المذهب))([15]).

فمذهب الحنابلة في حكم حلق جميع الرأس للرجل والمرأة على النحو التالي:

بالنسبة للرجل فعلى روايتين الأولى: الجواز، والثانية: الكراهة إلا لحج أو عمرة أو حاجة.

بالنسبة للمرأة الكراهة إلا لعذر.

أقوال المسألة:

القول الأول:

الجواز للرجل والتحريم للمرأة.

وهو مذهب الحنفية والمالكية.

القول الثاني:

الجواز للرجل والكراهة للمرأة إلا لعذر.

وهو مذهب الحنابلة والشافعية، ورواية عند الحنابلة على الكراهة للرجال بلا عذر.

المطلب الثالث: أدلة كل قول مع مناقشتها:

أدلة القول الأول:

1-عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي صبياً قد حلق رأسه وتُرك بعضه فنهاهم عن ذلك فقال: ((احلقوا كله أو اتركوه كله))([16]).

وجه الدلالة:

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحلق يدل على الجواز، قال النووي في شرحه على مسلم: ((وهذا صريح في إباحة حلق الرأس لا يحتمل تأويلاً))([17]).

مناقشة الدليل:

أنه مخصص بحالة الضرورة؛ لورد النهي إلا في الحج لكونه من فعل المجوس([18]).

2-عن عثمان رضي الله عنه قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها))([19]).

وجه الدلالة:

قال بعضهم يحرم تمسكاً بظاهر النهي([20]).

مناقشة الدليل:

قال الهيثمي([21]): (رواه البزار وفيه روح بن عطاء وهو ضعيف، وفي رواية عائشة رواه البزار وفيه معلي بن عبد الرحمن وقد اعترف بالوضع وقال ابن عدي: أرجو أن لا بأس به)([22]).

3-أن الإجماع انعقد على عدم جواز حلقهن في الحج، ولو كان جائز لشرع لهن في الحج، وقد ذكر الإجماع ابن المنذر([23])([24]).

وجه الدلالة:

عدم جواز حلقهن في النسك يدل على تحريمه في غيره.

مناقشة الدليل:

يعكر على الإجماع مذهب الشافعية والحنابلة الذين يرون كراهة حلق شعر رأس المرأة.

4-بأن في حلق شعر المرأة تشبهاً بالرجال([25]).

وجه الدلالة:

 أن تشبه النساء بالرجال محرم للأدلة.

مناقشة الدليل:

ثبت عن ميمونة رضي الله عنها أنها حلقت رأسها([26]).

أدلة القول الثاني:

1-عن عثمان رضي الله عنه قال: ((نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها))([27]).

وجه الدلالة:

وقد يستدل للكراهة بحديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها، وحديث علي نفس حديث عثمان الذي في الدليل.

مناقشة الدليل:

تمت مناقشته في أدلة القول الأول([28]).

2-حديث يزيد بن الأصم، أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلالاً، وبنى بها بسرف فدفنها في الظلة التي بنى بها، فنزلت قبرها أنا وابن عباس، فلما وضعناها في اللحد مال رأسها فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها فاجتذبه ابن عباس فألقاه وكانت قد حلقت رأسها في الحج فكان رأسها محجماً))([29]).

وجه الدلالة:

أن ميمونة رضي الله عنها كانت محلقة لشعر رأسها.

مناقشة الدليل:

أن تحليقها لشعر رأسها كان للحجامة، والحجامة تعتبر ضرورة لأنها علاج.

 

 

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

 

 

( [1] )    ابن فارس: أحمد بن زكريا بن فارس اختلفوا في وطنه، فقيل كان من قزوين، ومن مؤلفاته: الإتباع والمزاوجة، اختلاف النحويين. (قاله صاحب مقدمة مقاييس اللغة عبد السلام هارون 1/3).

( [2] )   مقاييس اللغة، 2/ 78 ، ط اتحاد الكتاب العرب .

( [3] )    الزيلعي (000 - 743 هـ) عثمان بن علي بن محجن، فخر الدين الزيلعي، فقيه حنفي،قدم القاهرة سنة 705 ه، فأفتى ودرس وتوفي فيها، وله " تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق " فقه، و " تركة الكلام على أحاديث الاحكام " و " شرح الجامع الكبير " فقه. (قاله الزركلي في الأعلام 4/210).

( [4] )    تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، 2/39، ط دار الكتب الإسلامي.

( [5] )    ابن نجيم (...- 970 هـ) زين الدين بن إبراهيم بن محمد، الشهير بابن نجيم، فقيه حنفي، من العلماء، مصري وله تصانيف، منها (الاشباه والنظائر) و(البحر الرائق في شرح كنز الدقائق ). (قاله الزركلي في الأعلام 3/64).

( [6] )   الأشباه والنظائر1/323، ط دار الكتب العلمية.

( [7] )   ابن عرفه: (....- 1230 هـ) محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي من علماء العربية، وهو من أهل دسوق (بمصر) تعلم وأقام وتوفي بالقاهرة، وكان من المدرسين في الأزهر، ومن كتبه (الحدود الفقهية) في فقه الإمام مالك، و (حاشية على مغني اللبيب). (قاله الزركلي في الأعلام 6/17).

( [8] )    حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 1/381، ط دار الفكر.

( [9] )     الفواكه الدواني، 1/366

( [10] )    الخطيب الشربيني (..- 977 هـ) محمد بن أحمد الشربيني، شمس الدين: فقيه شافعي، مفسر، له تصانيف منها (السراج المنير) في تفسير القرآن، و(الإقناع في حل ألفاظ ابن أبي شجاع). (قاله الزركلي في الأعلام 6/6).

( [11] )   مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، 4/297، ط دار الفكر.

( [12] )   زكريا الانصاري  (823 - 926 هـ) زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي المصري الشافعي، أبو يحيى شيخ الإسلام، قاض مفسر، من حفاظ الحديث، وله تصانيف كثيرة، منها (فتح الرحمن) في التفسير، و (تحفة الباري على صحيح البخاري). (قاله الزركلي في الأعلام 3/46).

( [13] )    أسنى المطالب، 1/551، ط دار الكتب العلمية.

( [14] )    الإنصاف، 1/123

( [15] )    الإنصاف، 1/123

( [16] )    أخرجه أبو داود في سننه ، رقم الحديث 4195، ص1528. والنسائي في سننه،رقم الحديث5051، ص2413 ط دار السلام. 

( [17] )   شرح صحيح مسلم للنووي، 7/167 ط دار إحياء التراث العربي.

( [18] )   فيض القدير، 1/201، ط المكتبة التجارية الكبرى.

( [19] )    أخرجه الترمذي في سننه، رقم الحديث 915، ص1738، ط دار السلام. ومجمع الزوائد، رقم الحديث 5607-5608، ط دار الفكر.

( [20] )    فيض القدير، 6/347.

( [21] )   الهيثمي: علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح نور الدين أبو الحسن الهيثمي، وله (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ) وكذا أفرد زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين ( اسمه: موارد الظمآن لزوائد ابن حبان ). (قاله الزركلي في الأعلام 4/266).

( [22] )   مجمع الزوائد3/581 برقم5607و5608

( [23] )    ابن المنذر: أبو بكر، محمد بن إبراهيم ابن المنذر النيسابوري الفقيه، نزيل مكة، وصاحب التصانيف كـ " الإشراف في اختلاف العلماء "، وكتاب " الإجماع "، وكتاب " المبسوط "، وغير ذلك، ولد في حدود موت أحمد بن حنبل سنة ست عشرة وثلاث مئة، وأرخ الإمام أبو الحسن بن قطان الفاسي وفاته في سنة ثماني عشرة. (قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء14/490 ط الرسالة).

( [24] )   الإجماع لابن المنذر برقم 229، ص76، ط دار المدينة .

( [25] )    البحر الرائق، 8/233، ط دار المعرفة . 

( [26] )    سيأتي في الدليل الثاني .

( [27] )   سبق تخريجه في ص 38.

( [28] )   سبق مناقشته في أدلة القول الأول ص 38.

( [29] )    أخرجه ابن حبان في صحيحه ، 9/442، رقم الحديث 4134، ط الرسالة.