توضيح الأحكام في التعامل مع آكل المال الحرام

 

  • مقدمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد:

فمن المسائل التي تتداول بين الناس حكم التعامل مع من كان يكسب ماله من حرام، واختلط ماله الحرام بماله الحلال أياً كانت نسبة الاختلاط بينهما، فهل لنا التعامل معه من إجابة دعوته وقبول هديته ونحو ذلك.

سنعرض هذه المسألة على وفق المذاهب الفقهية الأربعة بقدر الإمكان.

 

  • أقوال المذاهب الأربعة الفقهية:

أولاً مذهب الحنفية:

1- قال في الاختيار لتعليل المختار (4/ 176)

(ولا يجوز قبول هدية أمراء الجور) لأن الغالب في مالهم الحرمة. قال: (إلا إذا علم أن أكثر ماله حلال) بأن كان صاحب تجارة أو زرع فلا بأس به، لأن أموال الناس لا تخلو عن قليل حرام والمعتبر الغالب، وكذلك أكل طعامهم.

 

2- قال في تحفة الملوك (ص: 275)

هدايا الأمراء واختلف الصحابة في جواز قبول هدية الأمراء الظلمة وأكل طعامهم والمختار أنه إذا كان أكثر ماله حلالا حل قبول هديته وأكل طعامه وإلا حرم.

 

فمذهب الحنفية في الأكل والهدية ونحوها لمن كان أكثر ماله حلالا جاز الأكل من ماله، واجابة دعوته، وقبول هديته، وأما من كان أكثر ماله حراما فلا يجوز الأكل من ماله، واجابة دعوته، وقبول هديته.

 

ثانياً مذهب المالكية:

1- قال في شرح مختصر خليل للخرشي (7/ 193)

ومحل جواز الأخذ ممن ذكر إذا كان جل المال حلالا كما في تت، وأما من جل ماله حرام فممنوع، وقيل مكروه وأما من جميع ماله حرام فقال الشيخ سليمان في شرح الإرشاد يحرم الأكل منه، وقبول هبته ومعاملته أي إن علم أن ما أطعمه أو وهبه قد اشتراه أي بعين الحرام.

 

2- قال في الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (3/ 277)

اعلم أن من أكثر ماله حلال وأقله حرام المعتمد جواز معاملته ومداينته والأكل من ماله كما قال ابن القاسم خلافا لأصبغ القائل بحرمة ذلك، وأما من أكثر ماله حرام والقليل منه حلال فمذهب ابن القاسم كراهة معاملته ومداينته والأكل من ماله، وهو المعتمد خلافا لأصبغ المحرم لذلك، وأما من كان كل ماله حرام وهو المراد بمستغرق الذمة فهذا تمنع معاملته ومداينته ويمنع من التصرف المالي وغيره.

 

3- قال في إرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك (ص: 137)

فمن كان ماله حراما لم تجز معاملته وأكل طعامه، وقبول هديته، وإن كان مشتبها كره، والأولى التنزه.

 

4- قال في أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك» (3/ 346)

فمن كان ماله حرامًا لم تجز معاملته وأكل طعامه وقبول هديته وإن كان مشتبهًا كره والأولى التنزه ..... مسألة في معاملة أصحاب الحرام، وينقسم حالهم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون الحرام قائمًا بعينه عند الغاصب أو السارق أو شبه ذلك، فلا يحل شراؤه منه ولا البيع به إن كان عينًا ولا أكله إن كان طعامًا ولا لبسه إن كان ثوبًا ولا قبول شيء من ذلك هبة ولا أخذه في دين، ومن فعل شيئًا من ذلك فهو كالغاصب.

والقسم الثاني: أن يكون الحرام قد فات من يده ولزم ذمته فله ثلاث أحوال:

الأولى: أن يكون الغالب على ماله الحلال، فأجاز ابن القاسم معاملته وحرمها أصبغ.

الثانية: أن يكون الغالب على ماله الحرام فتمنع معاملته على وجه الكراهة عند ابن القاسم، والتحريم عند أصبغ.

والثالثة: أن يكون ماله كله حرامًا، فإن لم يكن له قط مال حلال حرمت معاملته، وإن كان له مال حلال إلا أنه اكتسب من الحرام ما أربى على ماله، واستغرق ذمته فاختلف في جواز معاملته بالجواز، والمنع والتفرقة بين معاملته بعوض.

 

5- قال في منحة السلوك في شرح تحفة الملوك (ص: 477)

(والمختار: أنه إن كان أكثر ماله حلالاً) بأن كان صاحب تجارة أو زرع (حل قبول هديته، وأكل طعامه) ولا جرم أن أموال الناس لا تخلو عن قليل حرام وتخلو عن كثير، فكانت العبرة للغالب، والأحوط ألا يقبل، لأن شبهة الحرام ربما توقعه في أخذ الحرام.

 

فمذهب المالكية في الأكل والهدية ونحوها من صاحب المال الحرام:

 من كان أكثر ماله حلالا جاز الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته.

 وأما من كان أكثر ماله حراما فيكره الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته.

 وأما إن كان كل ماله حراما فيحرم الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته.

 وأما إن كان نفس الطعام أو الهدية من مال حرام بيقين فيحرم الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته.

 

ثالثاً مذهب الشافعية:

1- قال في أسنى المطالب في شرح روض الطالب (3/ 227)

(ويكره إجابة من أكثر ماله حرام) كما تكره معاملته (فإن علم أن طعامه حرام حرمت) إجابته.

 

2- قال في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (4/ 406)

 أن لا يدعوه من أكثر ماله حرام، فمن كان كذلك كرهت إجابته، فإن علم أن عين الطعام حرام حرمت إجابته وإلا فلا وتباح الإجابة، ولا تجب إذا كان في ماله شبهة، ولهذا قال الزركشي: لا تجب الإجابة في زماننا اهـ.

 

3- قال في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (8/ 158)

ولا تحرم معاملة من أكثر ماله حرام ولا الأكل منه.

 

4- قال في حاشية البجيرمي على شرح المنهج = التجريد لنفع العبيد (3/ 433)

(قوله أكثر ماله حرام) أو فيه شبهة قوية بأن علم أن فيه حراما، وإن لم يكن أكثر خلافا للمصنف، وإن كان لا تكره معاملته ومؤاكلته إلا حيث كان أكثر ماله حراما؛ لأنه يحتاط للوجوب ما لا يحتاط للكراهة.

 

5- قال في روضة الطالبين وعمدة المفتين (7/ 337)

دعاه من أكثر ماله حرام، كرهت إجابته كما تكره معاملته، فإن علم أن عين الطعام حرام، حرمت إجابته.

 

فمذهب الشافعية في الأكل والهدية ونحوها من صاحب المال الحرام:

من كان أكثر ماله حلالا جاز الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته.

 وأما من كان أكثر ماله حراما فيكره الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته.

 وأما إن كان نفس الطعام أو الهدية من مال حرام بيقين فيحرم الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته.

 

رابعا مذهب الحنابلة:

1- قال في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (8/ 322)

في جواز الأكل من مال من في ماله حرام أقوال:

أحدها: التحريم مطلقا. ... وقد قال الإمام أحمد - رحمه الله -: لا يعجبني أن يأكل منه.

والقول الثاني: إن زاد الحرام على الثلث: حرم الأكل، وإلا فلا. قدمه في الرعاية؛ لأن الثلث ضابط في مواضع.

والقول الثالث: إن كان الحرام أكثر: حرم الأكل، وإلا فلا، إقامة للأكثر مقام الكل، قطع به ابن الجوزي في المنهاج، نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد - رحمه الله - فيمن ورث مالا فيه حرام، إن عرف شيئا بعينه: رده، وإن كان الغالب على ماله الفساد: تنزه عنه، أو نحو هذا. ....

والقول الرابع: عدم التحريم مطلقا، قل الحرام أو كثر، لكن يكره وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته. .... قلت: وهو المذهب على ما اصطلحناه في الخطبة.... وإن لم يعلم أن في المال حراما: فالأصل الإباحة، ولا تحريم بالاحتمال، وإن كان تركه أولى للشك، وإن قوي سبب التحريم فظنه يتوجه فيه كآنية أهل الكتاب وطعامهم. انتهى.

قلت: الصواب الترك، وأن ذلك ينبني على ما إذا تعارض الأصل والظاهر. وله نظائر كثيرة.

 

2- قال في دليل الطالب لنيل المطالب (ص: 250)

فإن كان في ماله حرام كره إجابته ومعاملته وقبول هديته، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته.

 

3- قال في نيل المارب بشرح دليل الطالب (2/ 203)

(وكسبه طيب، فإن كان في ماله حرام كرهت إجابته، ومعاملته وقبول هديته) وقبول هبته وصدقته، (وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته) جزم به في المغني والشرح، وقاله ابن عقيل في فصوله، وغيره، وقدمه الأزجي.

 

فمذهب الحنابلة في الأكل والهدية ونحوها من صاحب المال الحرام المعتمد بأنه يجوز مع الكراهة بحسب نسبة الحرام من ماله الحلال.

واقوال المذهب في ذلك على النحو التالي:

التحريم مطلقا.

إن زاد الحرام على الثلث: حرم الأكل، وإلا فلا.

إن كان الحرام أكثر: حرم الأكل، وإلا فلا.

 

 

 

  • أدلة المسألة:

1- قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172]،

2- قوله: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا} [المؤمنون: 51

   3- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، إني بما تعملون عليم} [المؤمنون: 51] وقال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ " صحيح مسلم

4- عن ابن عباس قال: «تليت الآية عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} [البقرة: 168]، فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد يقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه العمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به»، رواه الطبراني في الصغير.

5- عن أبي بكر الصديق: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام»، رواه أبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط.

6- عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به» "رواه الطبراني في الأوسط.

     

وجه الدلالة من الأدلة:

لأن الله أمر بأكل الطيب وهو الحلال وترك السحت وهو الحرام.

قال بعض المفسرين: نبه سبحانه في آية (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ... ) بتقديم أكل الطيب على العمل الصالح، على أن العمل لا ينتفع به صاحبه إلا بعد إصلاح الرزق باكتسابه من باب الحلال.

 

مناقشة الأدلة عند من يقول كراهة ذلك :

بأن صاحب المال الحلال يرجع وزره وذنبه عليه وليس لأي شخص علاقة بما اقترفه، ولكن يترك لكي يؤدب بسبب ترك الناس للتعامل معه، وهذا لا يصل إلى درجة تحريم التعامل معه والأكل من طعامه ونحوه.

 

  • الخلاصة :

من كان أكثر ماله حلالا فيجوز الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

من كان أكثر ماله حراما فلا يجوز الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته وهو مذهب الحنفية ويكره عند المالكية والشافعية والحنابلة.

من كان كل ماله حراما فلا يجوز الأكل من ماله واجابة دعوته وقبول هديته وهو مذهب الحنفية والمالكية ويكره عند الحنابلة وتزداد الكراهة وتقل بحسب نسبة الحرام إلى الحلال.

 

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم