كشف الخفاء عن نقض وضوء الرجال بملامسة النساء
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد:
بما أن الرجال والنساء يعيشون مع بعضهما في منزل واحد لكل عائلة فإننا نجد من المسائل المطروحة هل مس الرجل للمرأة والعكس ينقض وضوءهما أم لا ؟
فجواباً على هذا السؤال نطرح المسألة في هذا البحث على وفق المذاهب الأربعة المتبوعة .
أولاً مذهب الحنفية :
قال الكاساني في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع:
( ولو لمس امرأته بشهوة أو غير شهوة فرجها أو سائر أعضائها من غير حائل ولم ينشر لها لا ينتقض وضؤوه عند عامة العلماء ) . أهـ
فمذهب الحنفية في حكم مس الرجل والمرأة لكل منهما لا ينقض الوضوء .
ثانياً مذهب المالكية :
قال الإمام مالك في المدونة الكبرى :
(في المرأة تمس ذكر الرجل قال إن كانت مسته لشهوة فعليها الوضوء ؛ وإن كانت لغير شهوة لمرض أو نحوه فلا وضوء عليها ، قال إذا مست المرأة الرجل للذة فعليها الوضوء قال وكذلك إذا مس الرجل المرأة بيده للذة فعليه الوضوء من فوق ثوب كان أو من تحته فهو بمنزلة واحدة ، قال وعليه الوضوء ، قال والمرأة بمنزلة الرجل في هذا ) . أهـ
فمذهب المالكية في حكم مس الرجل والمرأة لكل منها هل ينقض الوضوء أم لا ؟
أن لكل من الرجل والمرأة إذا مس أحدهما الآخر فإن كان بلذة فعلى اللامس الوضوء وإن كان بدون لذة فلا وضوء عليهما .
ثالثاً مذهب الشافعية :
قال النووي في المجموع :
( قال المصنف : ( وأما لمس النساء فإنه ينقض الوضوء ، وهو أن يلمس الرجل بشرة المرأة والمرأة بشرة الرجل بلا حائل بينهما فينتقض وضوء اللامس لقوله تعالى : ﮅ ﭴ ﭵ ﭶ ﮄ , وفي الملموس قولان : أحدهما ينتقض وضوءه لأنه لمس بين الرجل والمرأة ينقض طهر اللامس ، فنقض طهر اللامس دون الملموس كما لو لمس ذكره غيره ، وإن لمس شعرها أو ظفرها لم ينقض الوضوء لأنه لا يلتذ بلمسه ، وإنما يلتذ بالنظر إليه ، وإن لمس ذات رحم ففيه قولان : أحدهما ينقض وضوءه للآية . والثاني لا ينقض لأنه ليس بمحل الشهوة فأشبه لمس الرجل الرجل والمرأة المرأة ). أهـ
فمذهب الشافعية في حكم مس الرجل والمرأة لكل منهما هل ينقض الوضوء أم لا ؟
بالنسبة للرجل فينتقض وضوءه بلمس المرأة بلا حائل ، أما المرأة الملموسة فقولان بالنقض وعدمه .
بالنسبة للمرأة فينتقض وضوءها بلمس الرجل بلا حائل ، أما الرجل الملموس فقولان بالنقض وعدمه .
أما لمس ذات المحرم فقولان : النقض وعدمه .
رابعاً مذهب الحنابلة :
قال المرداوي في الإنصاف:
عندما ذكر نواقض الوضوء :
( والخامس أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة ) هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب وعنه لا ينقض مطلقاً ، ولو باشر مباشرة فاحشة ... وعنه ينقض مطلقاً وحكى عن الإمام أنه رجع عنها وأطلقهن في المستوعب ) .
إلى أن قال :
( حكم مس المرأة بشرة الرجل حكم مس الرجل بشرة المرأة على الصحيح من المذهب قطع به الأكثر وعنه لا ينقض مس المرأة للرجل ) .
إلى أن قال :
( أما ذات المحرم فهي كالأجنبية على الصحيح من المذهب ).
إلى أن قال :
( فائدة لمس المرأة من وراء حائل لشهوة لا ينقض على الصحيح من المذهب نص عليه وعليه الأصحاب وعنه بلى ) . أهـ
فمذهب الحنابلة في حكم مس الرجل والمرأة لكل منهما هل ينقض الوضوء أم لا ؟
بالنسبة لمس الرجل للمرأة إن كان بشهوة فينقض الوضوء وفي رواية لا ينقض ، أما إذا كان من وراء حائل فرواية بالنقض ورواية بعدم النقض .
بالنسبة لمس المرأة الرجل في رواية أنها مثل الرجل ، وفي رواية أنها ليست مثله .
القول الأول :
أن الرجل والمرأة إذا مس أحدهما الآخر فإن كان بلذة فعلى اللامس الوضوء وإن كان بدون لذة فلا وضوء عليه .
وهو مذهب المالكية ورواية عند الحنابلة .
القول الثاني :
أن اللامس بلا حائل من الجنسين ينتقض وضوءه .
وهو مذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة .
القول الثالث :
أن مس كل منها للآخر بشهوة لا ينقض الوضوء .
وهو رواية عند الحنابلة .
أدلة القول الأول :
1- عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبل بعض نسائه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ ) أخرجه الطبراني ونصب الراية.
وجه الدلالة :
أن تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه وهو متوضئ ثم يخرج إلى الصلاة يدل على أن هذا الفعل لا ينقض الوضوء ، وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أملك لإربه وليس كباقي البشر .
مناقشة الدليل :
قال في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد :
فيه سعيد بن بشير وثقه شعبة وغيره وضعفه يحيى وجماعة .
وهناك طرق تقويه مثل :
عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كان يتوضأ ثم يُقبل ويصلي ولا يتوضأ وربما فعله بي ) وهذا سنده جيد قاله في نصب الراية .
2- عن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي ، وإذا قام بسطتهما ، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح ) صحيح البخاري .
وجه الدلالة :
لمس النبي صلى الله عليه وسلم لجسم عائشة رضي الله عنها وهي نائمة لم ينقض وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لأن لمسه لها لم يكن بلذة .
دليل القول الثاني :
قوله تعالى في سورة النساء : ( أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ) لأن المعنى اللمس الجس باليد بغيرها ، أو الجس باليد وألحق غيرها بها وعليه الشافعي ، والمعنى في النقض أنه في مظنة التلذذ المثير للشهوة سواء ذلك في اللامس أوالملموس.
وجه الدلالة :
أن الآية وردت في لمس النساء للرجال فخشية التلذذ أوجب الوضوء للامس والملموس .
مناقشة الدليل :
قال في كشاف القناع :
يرد بأن خصت الآية بما إذا كان اللمس بشهوة للجمع بين الآية والأخبار.
دليل القول الثالث :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبل بعض نساؤه ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ ).
وجه الدلالة :
أن التقبيل لا يكون إلا بشهوة ، وقد قَبل النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه ولم ينقض وضوءه بل ذهب للصلاة .
مناقشة الدليل :
يرد بأن فيه سعيد بن بشير وثقه شعبة وغيره وضعفه يحيى وجماعة .
والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم