رفع الالتباس في حكم صبغ شعر اللحية والرأس
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، أما بعد:
من الأمور التي تأتي الإنسان مع كبر السن وأحيانا بسبب وراثي أو غضب ونحوه هو تغيير لون الشعر الأصلي من السواد إلى اللون الأبيض ، ومن الناس من يعجبه بقاء اللون الأبيض لشعره وبعضهم يستاء منه فيقوم بصبغة بلون آخر يكون جميلا ويظهر كبر سنه أمام الناس أو أنه بعمر الشباب ولكن الشيب يظهر للناس على أنه كبير في السن.
فلا يعرف من كان في شعره شيبا بأي لون يصبغه بسبب عدم معرفته في حكم الصبغ بالسواد أو الحمرة وغيرهما.
وفي هذا المبحث اللطيف نتناول هذه المسألة موضحا فيها حكم صبغ الشغر وحكم صبغه بالسواد.
أولا مذهب الحنفية:
1- قال الزبيدي في الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (2/ 282)
وأما خضب الشيب بالحناء فلا بأس به للرجال والنساء ويكره تغيير الشيب بالسواد.
2- قال ابن عابدين في حاشيتة (6/ 756)
(قوله جاز في الأصح) وهو مروي عن أبي يوسف فقد قال: يعجبني أن تتزين لي امرأتي كما يعجبها أن أتزين لها والأصح أنه لا بأس به في الحرب وغيره واختلفت الرواية في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله في عمره والأصح لا وفصل في المحيط بين الخضاب بالسواد قال عامة المشايخ: إنه مكروه وبعضهم جوزه مروي عن أبي يوسف، أما بالحمرة فهو سنة الرجال وسيما المسلمين اهـ
3- قال في قرة عين الأخيار لتكملة رد المحتار علي الدر المختار (7/ 347)
الخضاب بالسواد، قال عامة المشايخ: إنه مكروه، وبعضهم جوزه مروي عن أبي يوسف، أما بالجمرة فهو سنة الرجال وسيما المسلمين ، ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن.
4- قال أبو المعالي في المحيط البرهاني في الفقه النعماني (5/ 377)
اعلم بأن الزينة نوعان: نوع يرجع إلى البدن، ونوع يرجع إلى غيره، نبدأ بالذي يرجع إلى البدن، فنقول اتفق المشايخ أن الخضاب في حق الرجال بالحمرة سنة، وأنه من سير المسلمين وعلاماتهم، والأصل فيه قوله عليه السلام: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» وقال الراوي: رأيت أبا بكر على منبر رسول الله عليه السلام ولحيته كأنها صرام عرفج، والعرفج اسم لبنت في البادية هي أشد حمرة من النار.
وأما الخضاب بالسواد: فمن فعل ذلك من الغزاة ليكون أهيب في عين العدو فهو محمود منه، اتفق عليه المشايخ، ومن فعل ذلك ليزين نفسه للنساء، وليحبب نفسه إليهن فذلك مكروه عليه عامة المشايخ. وبنحوه ورد الأثر عن عمر رضي الله عنه، وبعضهم جوزوا ذلك من غير كراهية، روي عن أبي يوسف أنه قال: كما يعجبني أن تتزين لي يعجبها أن أتزين لها، هذه الجملة من شرح «السير الكبير» .
فمذهب الحنفية في صبغ الشعر بالسواد وغيره:
حكم صبغ الشعر بالسواد الكراهة للرجال والنساء.
وكم الصبغ بغير السواد مثل الحناء أو الحمرة لابأس به.
ثانيا مذهب المالكية:
1- قال في الرسالة للقيرواني (ص: 156)
ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم ولا بأس به بالحناء والكتم .
2- قال القرطبي في البيان والتحصيل (17/ 166):
وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة من العلماء.
وقال :
قال محمد بن رشد: أما صبغ الشعر وتغيير الشيب بالحناء والكتم والصفرة فلا اختلاف بين أهل العلم في أن ذلك جائز.
وقال:
في الخضاب بالسواد وسئل مالك عن الخضاب بالسواد، فقال: ما علمت فيه النهي، وغيره أحسن منه.
3- قال شهاب الدين المالكي في إرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك (ص: 139)
ومن الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية وتقليم الأظفار ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والخضاب، وتركه موسع، ويكره بالسواد، ويحرم قصد التدليس .
4- قال النفراوي في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 307):
(ويكره صباغ الشعر) الغير الأسود (بالسواد) لغير مقتضى شرعي، ولما كانت الكراهة قد تكون محمولة على التحريم قال: (من غير تحريم) بل لمجرد التنزيه، أما لو كان الصباغ لغرض شرعي كإرهاب العدو مثلا فلا حرج فيه بل يؤجر عليه، وأما لو كان لغرور مشتر لعبد أو مريد نكاح امرأة فلا شك في حرمته،
5- قال الأزهري في الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص: 683):
"ويكره صباغ الشعر" الأبيض "بالسواد من غير تحريم" لما كانت الكراهة تطلق ويراد بها التنزيه وتطلق ويراد به التحريم دفع هذا الثاني بقوله من غير تحريم.
6- قال ابن ناجي التنوخي في شرحه على متن الرسالة (2/ 454):
(ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم ولا بأس بالحناء والكتم): قال الفاكهاني: أما السواد ففي المذهب قولان بالكراهة والجواز .
فمذهب المالكية في حكم صبغ الشعر :
الصبغ بالسواد قول بالكراهة وقول بالجواز، ويحرم للغش والتدليس ، ويؤجر عليه إذا كان لغرض شرعي.
الصبغ بغير السواد لابـأس به.
ثالثا مذهب الشافعية:
قال الماوردي في الحاوي الكبير (2/ 257):
1- وأما خضاب الشعر فمباح بالحناء والكتم ، ومحظور السواد إلا أن يكون في جهاد العدو
2- قال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (9/ 375):
وأن يخضب الشعر الشائب بالحمرة والصفرة وهو بالسواد حرام إلا لمجاهد في الكفار فلا بأس به
3- قال الرملي في غاية البيان شرح زبد ابن رسلان (ص: 40):
(وحرموا خضاب شعر بسواد لرجل وامرأة) أي يحرم خضاب شعر أبيض من رأس رجل أو امرأة أو لحية رجل بالسواد ...... نعم يجوز للمرأة ذلك بإذن زوجها أو سيدها لأن له غرضا في تزيينها به وقد أذن لها فيه
4- قال الرملي في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (8/ 149):
قوله: (ويحرم بالسواد) أي للرجل والمرأة كما شمله إطلاقه وقوله إلا لجهاد بالنسبة للرجل فقط (قوله: حرام) أي ولو بعد الموت.
5- قال ابن الرفعه في كفاية النبيه في شرح التنبيه (1/ 252):
وكذا يكره نتف الشيب وخضبه بالسواد؛ كما ذكره في "التهذيب" ، وفي"الحاوي" أن خضبه بالسواد حرام إلا في الجهاد.
6- قال الاسنوي في المهمات في شرح الروضة والرافعي (9/ 55):
كراهة الخضاب بالسواد فهو وجه .
فمذهب الشافعية في حكم صبغ الشعر:
الصبغ بالسواد يحرم للرجال والنساء ويتجه جوازه للمرأة بإذن الزوج.
الصبغ بغير السواد مباح.
رابعا مذهب الحنابلة:
1- قال أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير على متن المقنع (1/ 108):
ويستحب خضاب الشيب بغير السواد ...... ويستحب الخضاب بالحناء والكتم ....... ورخص فيه إسحاق بن راهويه للمرأة تتزين به لزوجها أ هـ يقصد الصبغ بالسواد.
ويستحب خضاب الشيب بغير السواد ..... ويكره الخضاب بالسواد.......ورخص فيه اسحاق بن راهويه للمرأة تتزين به لزوجها والله أعلم
2- قال في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (1/ 123):
ويكره نتف الشيب. ووجه في الفروع احتمالا بالتحريم، للنهي عنه. ويختضب، ويستحب بحناء وكتم. قال القاضي في المجرد، والمصنف في المغني، والفخر في التلخيص، وغيرهم: ولا بأس بورس وزعفران، وقال المجد وغيره: خضابه بغير سواد من صفرة أو حمرة: سنة، نص عليه. ويكره بسواد نص عليه. وقال في المستوعب، والغنية، والتلخيص: يكره بسواد في غير حرب. ولا يحرم. فظاهر كلام أبي المعالي: يحرم. قاله في الفروع. وقال: وهو متجه.
مذهب الحنابلة في صبغ الشعر:
الصبغ بالسواد مكروه.
الصبغ بغير السواد يستحب.
أولاً : أدلة جواز تغيير لون الشيب بغير السواد:
1- قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إن اليهود، والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم» صحيح البخاري (4/ 170) صحيح مسلم (2103).
2- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود ، سنن الترمذي (3/ 284) وفي الباب عن الزبير، وابن عباس، وجابر، وأبي ذر، وأنس، وأبي رمثة، والجهدمة، وأبي الطفيل، وجابر بن سمرة، وأبي جحيفة، وابن عمر.
حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وجه الدلالة:
الامر باستحباب مخالفة أهل الكتاب ومن مخالفتهم هو صبغ الشعر .
3- قال صلى الله عليه وسلم "إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم" رواه النسائي وخضابه بالحمرة والصفرة منه أيضاً.
4- عن تميم بن عبد الله بن موهب، قال: «دخلت على أم سلمة، فأخرجت إلينا شعرا من شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخضوبا بالحناء والكتم.» وخضب أبو بكر بالحناء والكتم. ولا بأس بالورس والزعفران؛ لأن أبا مالك الأشجعي قال: «كان خضابنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الورس والزعفران» لما روى الخلال، وابن ماجه، بإسنادهما.
5- عن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: دخلت أنا وأخي رافع على أمير المؤمنين عمر وأنا مخضوب بالحناء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر بن الخطاب هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي رافع: هذا خضاب الإيمان.
وجه الدلالة:
في الأحاديث دلالة على استحباب تغيير الشيب بالحناء والكتم والورس والزعفران.
ثانياً : أدلة جواز تغيير لون الشيب إلى السواد:
1- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد، أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور أعدائكم.
وجه الدلالة:
استحباب صبغ الشيب بالسواد للتجمل للزوجة وتخويف الأعداء.
مناقشة الدليل:
قال في تحفة الأحوذي:
وأجاب المانعون عن هذا الحديث بوجهين:
أحدهما: أن دفاع بن دغفل وعبد الحميد بن صيفي ضعيفان كما في التقريب.
وثانيهما: أن عبد الحميد بن صيفي (وهو عبد الحميد بن زياد بن صيفي) عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض قاله البخاري كما في الميزان.
وأجيب عن الوجه الأول بأن دفاع بن دغفل ضعفه أبو حاتم ووثقه بن حبان قاله الذهبي في الميزان
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب قال أبو حاتم ضعيف الحديث وذكره بن حبان في الثقات فتضعيف أبي حاتم وقوله ضعيف الحديث غير قادح لأنه لم يبين السبب...... فتوثيق بن حبان هو المعتمد وعبد الحميد بن صيفي لم يثبت فيه جرح مفسر ، وقال أبو حاتم هو شيخ ، وذكره بن حبان في الثقات
وأجيب عن الوجه الثاني بأن قول الإمام البخاري لا يعرف سماع بعضهم من بعض مبني على ما اشترطه في قبول الحديث المعنعن من بقاء بعض رواته من بعض ولو مرة ، وأما الجمهور فلم يشترطوا ذلك ...
ثالثاً : أدلة تحريم تغيير الشيب بالسواد:
1- عن جابر، قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كثغامة بيضاء، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا رأسه واجتنبوا السواد» صحيح ابن حبان (12/ 285)
وجه الدلالة:
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب لون آخر باستثناء اللون الأسود.
مناقشة الدليل:
قال بعض شراح الحديث:
عبارة وجنبوه السواد هي مدرجة من راوي الحديث ولم يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- قال: «قوم يَخضبُونَ السواد - زاد النسائي: آخِرَ الزمان - كحَواصِل الحَمَام، لا يَرِيحُون رائحة الجنة» . أخرجه أبو داود، والنسائي .
رواه أبو داود رقم (4212) في الترجل، باب ما جاء في خضاب السواد، والنسائي 8 / 138 في الزينة، باب النهي عن الخضاب بالسواد، وإسناده قوي.
وجه الدلالة:
في الحديث بيان أن من صبغ بالسواد فإنه ممن لا يجد رائحة الجنة.
مناقشة الدليل:
قال في شرح مشكل الآثار (9/ 313):
فوجدنا يونس قد حدثنا قال: حدثنا علي بن معبد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رفعه قال: " يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام , لا يريحون رائحة الجنة " فعقلنا بذلك أن الكراهة إنما كانت لذلك لأنه أفعال قوم مذمومين لا لأنه في نفسه حرام وقد خضب ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواد منهم: عقبة بن عامر.
- خلاصة الأقوال في المسألة:
كراهة صبغ الشعر بالسواد وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة.
تحريم صبغ الشعر بالسواد وهو مذهب الشافعية ويتجه جوازه للمرأة بإذن الزوج للتزين له.
أما الصبغ بغير السواد فمباح الحنفية والمالكية والشافعية ومستحب عند الحنابلة.
والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا