تيسير العزيز العلي في حكم صلاة البالغين خلف الصبي

 

  • المقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد

كثيرا ما نرى بعد انتهاء الإمام في المسجد من صلاته قيام جماعة ثانية لم تلحق بالجماعة الأولى ويؤم فيها من هو دون سن البلوغ إلى عم ثمان سنين ومن ثم يأتم به الرجال البالغين ولا يقيمون جماعة أخرى يكون الإمام فيها بالغا.

فهل تجوز صلاة الصبي المميز غير البالغ للبالغين علما بأنه يجوز امامته لمن هم مثل عمره.

سنطرح هذه المسألة متنقلين بين أقوال المذاهب الأربعة وذكر بعض أدلتهم والله أعلم.

 

  • أقوال المذاهب الأربعة:

أولاً مذهب الحنفية:

1- الهداية في شرح بداية المبتدي (1/ 57)

وأما الصبي فلأنه متنفل فلا يجوز اقتداء المفترض به وفي التراويح والسنن المطلقة .... والمختار أنه لا يجوز في الصلوات كلها لأن نفل الصبي دون نفل البالغ حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد بالإجماع ولا يبني القوي على الضعيف بخلاف المظنون لأنه مجتهد فيه فاعتبر العارض عدما وبخلاف اقتداء الصبي بالصبي لأن الصلاة متحدة.

 

2- الاختيار لتعليل المختار (1/ 58)

وأما الصبي فلأن صلاته تقع نفلا فلا يجوز الاقتداء به، وقيل: يجوز في التراويح لأنها ليست بفرض، والصحيح الأول لأن نفله أضعف من نفل البالغ فلا يبتنى عليه.

 

3- العناية شرح الهداية (1/ 357)

وقوله: (وأما الصبي فلأنه متنفل) واضح؛ لأنه غير مكلف. وقوله: (فلا يجوز اقتداء المفترض به) سيجيء بيانه. ..... (ومنهم) أي من المشايخ (من حقق الخلاف في النفل المطلق بين أبي يوسف ومحمد) فقال أبو يوسف: لا يجوز اقتداء البالغ بالصبي في النفل المطلق أيضا ومحمد جوزه (والمختار أنه لا يجوز في الصلوات كلها) وهذا اختيار منه لمذهب مشايخ ما وراء النهر (؛ لأن نفل الصبي دون نفل البالغ) حيث لا يلزمه القضاء بالإفساد بالإجماع.... (وبخلاف اقتداء الصبي بالصبي؛ لأن الصلاة متحدة) لعدم الضمان على واحد منهما فكان بناء الضعيف على الضعيف.

 

4- الجوهرة النيرة على مختصر القدوري (1/ 60)

وأما الصبي فلا تجوز إمامته للبالغين؛ لأنه متنفل وفي التراويح جوزه مشايخ بلخي وكذا في صلاة العيدين والكسوف، والمختار أنه لا يجوز في الصلوات كلها.

 

فمذهب الحنفية هو عدم جواز إمامة الصبي الغير بالغ للبالغين في الفرض أو النفل.

 

 

ثانياً مذهب المالكية:

1- الذخيرة للقرافي (2/ 242)

لا يؤم الصبي في النافلة الرجال ولا النساء وهو قول ح في الفرض والنفل ... وروى ابن القاسم يؤم في النافلة وأجاز ش إمامته في المكتوبة إلا في الجمعة .... وأما غير المميز فلا تصح ولا تجوز والخلاف يرجع إلى إمامة المتنفل بالمفترض فنحن نمنعه ...  .

 

2- الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (ص: 148)

البلوغ : فلا تصح إمامة الصبي للبالغ في الفرض لأن الصبي متنفل ولا يصح نفل خلف فرض.

 

3- حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/ 300)

[قوله: والبلوغ] فلا تصح إمامة الصبي للبالغ في الفرض لأن الصبي متنفل ولا يصح فرض خلف نفل، وأما في النفل فتصح وإن لم تجز ابتداء وإمامته لمثله جائزة ولا يتعرض في صلاته لفرض ولا نفل، فإن تعرض للنفل لم تبطل وكذا للفرض خلافا لاستظهار بعضهم البطلان.

 

فمذهب المالكية هو عدم جواز إمامة الصبي الغير بالغ للبالغين في الفرض وتصح في النفل.

 

 

ثالثاً مذهب الشافعية:

1- قال في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (1/ 483)

(و) تصح القدوة (للكامل) وهو البالغ الحر (بالصبي) المميز للاعتداد بصلاته، «ولأن عمرو بن سلمة بكسر اللام كان يؤم قومه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ست أو سبع» ، رواه البخاري.

ولكن البالغ أولى من الصبي وإن كان الصبي أقرأ أو أفقه للإجماع على صحة الاقتداء به بخلاف الصبي، وقد نص في البويطي على كراهة الاقتداء بالصبي.

 

2- قال في المجموع شرح المهذب (4/ 248):

 (إذا بلغ الصبي حدا يعقل وهو من أهل الصلاة صحت امامته لما روى عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال " أممت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام ابن سبع سنين " وفي الجمعة قولان قال في الأم لا تجوز إمامته لأن صلاته نافلة وقال في الإملاء تجوز لأنه يجوز أن يكون إماما في غير الجمعة فجاز أن يكون إماما في الجمعة كالبالغ

* (الشرح) هذا الحديث رواه جابر ثم في رواية البخاري في صحيحه .... أما حكم المسألة فكل صبي صحت صلاته صحت إمامته في غير الجمعة بلا خلاف عندنا وفي الجمعة قولان ذكر المصنف دليلهما (أصحهما) الصحة هكذا صححه المحققون ولا يغتر بتصحيح ابن عصرون خلافه وصورة المسألة أن يتم العدد بغيره ويجري القولان في عبد ومسافر صليا الظهر ثم أما في الجمعة لأن صلاتهما

الثانية نافلة كالصبي ووجه البطلان فيهما وفي الصبي أن الكمال مشروط في المأمومين في الجمعة ففي الإمام أولى والصحيح الصحة في الجميع لأن صلاته صحيحة ومذهبنا أنه لا يشترط اتفاق نية الإمام والمأموم .

 

فمذهب الشافعية هو جواز إمامة الصبي الغير بالغ للبالغين في الفرض والنفل والأولى إمامة البالغ لمثله من البالغين إن وجد.

 

رابعاً مذهب الحنابلة:

1- قال في المغني لابن قدامة (2/ 167)

فصل: ولا يصح ائتمام البالغ بالصبي في الفرض، نص عليه أحمد، وهو قول ابن مسعود وابن عباس. وبه قال عطاء، ومجاهد، والشعبي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة. وأجازه الحسن، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر. .....

فصل: فأما إمامته في النفل ففيها روايتان: إحداهما، لا تصح؛ لما ذكرنا في الفرض. والثانية، تصح؛ لأنه متنفل يؤم متنفلين، ولأن النافلة يدخلها التخفيف، ولذلك تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأموما.

 

2- قال في المبدع في شرح المقنع (2/ 82)

 (ولا إمامة الصبي لبالغ) في فرض، نص عليه، واختاره أكثر الأصحاب، ورواه الأثرم عن ابن مسعود، وابن عباس ... وعنه: يصح فيه، اختاره الآجري، وذكره المجد تخريجا، وبناه جماعة على اقتداء المفترض بالمتنفل، وظاهره يقتضي صحة إمامته إن لزمته؛ وهو متجه ....(إلا في النفل، على إحدى الروايتين) جزم به الأكثر، ونصره الشريف، وأبو الخطاب، وصححه في " المستوعب "، و " الفروع "؛ لأنه متنفل يؤم متنفلين؛ وهي أخف، إذ الجماعة تنعقد به فيها إذا كان مأموما، والثانية: لا يصح لما ذكرناه.

 

3- قال في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (2/ 266)

قوله (ولا إمامة الصبي لبالغ إلا في النفل، على إحدى الروايتين) وأطلقهما في الشرح، والنظم، وابن تميم، والفائق، والمحرر، اعلم أن إمامة الصبي تارة تكون في الفرض وتارة تكون في النفل فإن كانت في الفروض، فالصحيح من المذهب: أنها لا تصح، وعليه جماهير الأصحاب وقطع به كثير منهم، وعنه تصح اختارها الآجري ..... وإن كان في النفل: فالصحيح من المذهب: أنها تصح .....  والرواية الثانية: لا تصح في النفل .

 

فمذهب الحنابلة هو عدم جواز إمامة الصبي الغير بالغ للبالغين في الفرض ولا في النفل، وتصح في الفرض والنفل في روايات صحيحة.

 

  • خلاصة الأقوال:

عدم جواز إمامة الصبي الغير البالغ للبالغين في الفرض والنفل وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة ، وتصح في النفل عند المالكية والحنابلة على رواية صحيحة.

جواز إمامة الصبي الغير البالغ للبالغين في الفرض والنفل والأولى امامة البالغ إن وجد وهو مذهب الشافعية وعلى رواية صحيحة عند الحنابلة.

 

  • أدلة الأقوال:

أدلة عدم جواز إمامة الصبي للبالغين :

1- عن على وعمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبى حتى يحتلم )

أخرجه أحمد (1/154، رقم 1327) ، وأبو داود (4/140، رقم 4402) ، والحاكم (4/430، رقم 8169) ..

 

وجه الدلالة:

يدل الحديث على عدم التكليف للصبي والامامة تكليف بأحكام الصلاة فالامام يتحمل صلاة المأمومين وهذه لا يتحملها الصبي غير البالغ.

 

مناقشة الدليل:

قال النووي في المجموع عن حديث " رفع القلم " أن المراد رفع التكليف والإيجاب لا نفي صحة الصلاة والدليل عليه حديث ابن عباس في الصحيحين " أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم " وحديث أنس في الصحيحين " أنه صلى هو واليتيم خلف النبي صلى الله عليه وسلم " وحديث عمرو بن سلمة المذكور هنا وغيرها من الأحاديث الصحيحة وأما المروي عن ابن عباس فإن صح فمعارض بالمروي عن عائشة من صحة إمامة الصبيان: وإذا اختلفت الصحابة لم يحتج ببعضهم ويخالف المجنون فإنه لا تصح طهارته ولا يعقل الصلاة والله أعلم

 

2- عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تقدموا صبيانكم ولا سفهاءكم في صلاتكم، فإنهم وفدكم إلى الله تعالى ".

هذا حديث لا يصح، ولا يعرف له إسناد صحيح، بل روي بعضه بإسناد مظلم.

 

وجه الدلالة:

أي أن غير البالغين وهم الصبيان لايتقدمون على من بلغ في امامة الصلاة .

 

مناقشة الدليل:

قال ابن عبدالهادي الحنبلي : هذا حديث لا يصح، ولا يعرف له إسناد صحيح، بل روي بعضه بإسناد مظلم.

 

أدلة جواز إمامة الصبي للبالغين:

1- عن أبى سعيد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يؤمكم أقرؤكم لكتاب الله إذا لم يكن عليكم أمير) أخرجه الديلمى (5/491، رقم 8857) .

 

وجه الدلالة:

في الحديث دلالة على أن المعيار للتقديم في الإمامة في الصلاة هو كتاب الله تعالى للبالغ أو الصبي.

 

مناقشة الدليل:

 

2- وروى عمرو بن سلمة الجرمي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لقومه: «يؤمكم أقرؤكم. قال: فكنت أؤمهم وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين» . رواه أبو داود، وغيره.

 

وجه الدلالة:

في الحديث دلالة على أن الصبي الغير بالغ صلى بقومه.

 

مناقشة الدليل:

قال ابن قدامة في المغني :

فقال الخطابي: كان أحمد يضعف أمر عمرو بن سلمة. وقال مرة: دعه ليس بشيء بين.

وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلمة؟ قال: لا أدري أي شيء هذا، ولعله إنما توقف عنه لأنه لم يتحقق بلوغ الأمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان بالبادية في حي من العرب بعيد من المدينة، وقوى هذا الاحتمال قوله في الحديث: وكنت إذا سجدت خرجت استي. وهذا غير سائغ.

 

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم