تيسير العزيز الولي في حكم النكاح بلا ولي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد:
من الأمور التي تشكل على الانسان المتنقل من بلد إلى بلد آخر هو الاختلاف في المسائل الفقهية .
ومن المسائل المهمة هي مسائل النكاح وما إليه ومنها مسألة النكاح بدون ولي ، إذ أن الولي يشترط في أقوال الفقهاء وغير شرط في أقوال بقية الفقهاء ، وعند الانتقال من بلد يشترط الولي إلى بلد لا يشترطه أو كان هناك امرأة تعمل في بلد معين وتحتاج إلى الزواج لتعف نفسها ولكن لا تريد اخبار أهلها لاحتمال عدم موافقتهم إما لسبب مقنع أو بدون سبب ، فماذا عليها أن تفعل لتعف نفسها عن الحرام وخاصة إن طال زمن سفرها للعمل.
ونذكر في هذا المبحث مسألة حكم النكاح بدون ولي على وفق المذاهب الفقهية الأربعة مع ذكر الأدلة بقدر المستطاع.
أولاً مذهب الحنفية :
1- قال في المبسوط للسرخسي (5/ 10) :
وفي هذا دليل على أن المرأة إذا زوجت نفسها أو أمرت غير الولي أن يزوجها فزوجها جاز النكاح وبه أخذ أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - سواء كانت بكرا أو ثيبا إذا زوجت نفسها جاز النكاح في ظاهر الرواية سواء كان الزوج كفؤا لها أو غير كفء فالنكاح صحيح .
2- قال في البناية شرح الهداية (5/ 70)
(وينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها وإن لم يعقد عليها ولي) ش: يعني هي زوجت نفسها بنفسها .
فمذهب الحنفية هو جواز أن تزوج المرأة نفسها بدون ولي لها.
ثانيا مذهب المالكية :
1- قال في إرشاد السالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك (ص: 58)
كتاب النكاح : ....... والولي شرط .
أي في النكاح.
2- قال في مناهج التحصيل للرجراجي : ولا خلاف في مذهب مالك - رحمه الله: أن الولاية مشروطة في النكاح، وأنها من شروط الصحة لا من شروط التمام إلا شيئا تأول على ابن القاسم: أن الولاية من شروط التمام ....
3- قال في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/4) :
وركنه ولي وصداق ومحل وصيغة.
4- قال في الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (2/ 220)
(وركنه) أي النكاح أي أركانه أربعة الأول (ولي و) الثاني (صداق و) الثالث (محل) زوج وزوجة معلومان خاليان من الموانع الشرعية كالإحرام كما يأتي (و) الرابع (صيغة)
فمذهب المالكية هو عدم جواز أن تزوج المرأة نفسها بدون ولي لها بل لابد من وليها .
ثالثاً مذهب الشافعية :
1- قال في المجموع شرح المهذب (16/ 146)
لا يصح النكاح إلا بولي فان عقدت المرأة لم يصح
2- قال في كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار (ص: 355)
ولا يصح عقد النكاح إلا بولي ذكر
3- قال في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (4/ 239)
الركن الرابع والخامس، وهما الزوج والولي، أو النائب عن كل منهما.
فمذهب الشافعية هو عدم جواز أن تزوج المرأة نفسها بدون ولي لها بل لابد من وليها .
رابعاً مذهب الحنابلة :
1- قال في المغني لابن قدامة (7/ 7)
أن النكاح لا يصح إلا بولي .....
2- قال في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (8/ 66)
قوله (الثالث: الولي. فلا نكاح إلا بولي) هذا المذهب. أعني: الولي شرط في صحة النكاح. وعليه الأصحاب. ونص عليه. قال الزركشي: لا يختلف الأصحاب في ذلك. وعنه: ليس الولي بشرط مطلقا. وخصها المصنف، وجماعة بالعذر؛ لعدم الولي والسلطان. فعلى المذهب (لو زوجت المرأة نفسها، أو غيرها: لم يصح) . وهو المذهب. وعليه الأصحاب. وعنه: يجوز لها تزويج نفسها. ذكرها جماعة من الأصحاب. وعنه: أن لها أن تأمر رجلا يزوجها. وعنه: لها تزويج أمتها ومعتقتها. وهذه الرواية: لم يثبتها القاضي، ومنعها
فمذهب الحنابلة هو عدم جواز أن تزوج المرأة نفسها بدون ولي لها بل لابد من وليها ، ورواية صحيحة عن الامام أحمد بجواز أن تنكح نفسها بدون ولي ، ورواية صحيحة بجواز أن تأمر أي رجل ليزوجها وليس شرطا يكون وليها.
جواز أن تزوج المرأة نفسها من غير ولي وهو مذهب الحنفية ورواية صحيحة عن الحنابلة .
عدم جواز أ تزوج المرأة نفسها وهو مذهب المالكية والشافعية ومعتمد الحنابلة .
جواز أن تختار المرأة أي رجل يزوجها وليس شرطا يكون وليها الحقيقي وهي رواية صحيحة عند الحنابلة.
أولا أدلة عدم جواز أن تزوج المرأة نفسها ولابد من وليها:
1- قوله تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (البقرة: الآية 232) .
وجه الدلالة:
قال الشافعي: هذه ابتدائية في كتاب الله عز وجل تدل على النكاح بغير ولي لا يجوز لأنه نهى الولي عن العضل، أي المنع، والمنع إنما يتحقق منه إذا كان الممنوع في جدة إذ الخطاب للأولياء.
مناقشة الدليل:
الآية مشتركة الإلزام؛ لأنه نهاهم عن منعهن عن النكاح، فدل على أنهم يمكنهم النكاح بدون إذن الولي ولا يحق له منعها.
قال في البناية شرح الهداية (5/ 71):
يناقش الدليل من وجوه:
الأول: أن الله تعالى أضاف العقد إليها.
الثاني: أن نهيه تعالى عن العضل إذا تراضى الزوجان.
الثالث: أن العضل إذا تراضى الزوجان.
الرابع: أن العضل اسم يشترك بمعنى المنع، وبمعنى الضيق، وآلة العضال، وذلك كله ظاهر في منعه من الخروج والمراسلة في عقد النكاح، والأظهر في الآية أن الخطاب للأزواج، لا للأولياء.
قال الله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة: الآية 232) ، وذلك بالحبس وتطويل العدة عليهن لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة: 231] وكانوا يطلقون فيراجعون إذا قرب انقضاء عدتهن من غير حاجة ضرر.
وقال الإمام فخر الدين بن الخطيب: المختار أنه خطاب للأزواج، لا للأولياء، قال: وتمسك الشافعي بها ممنوع على المختار، رواه ابن عباس، وأيضا ثبوته في حق الولي ممتنع؛ لأنه مهما عزل فلا يبقى بعضلها أثر.
قال في الجوهر النقي (7/ 104)
(باب لانكاح الا بولي) ...... المنهى عن العضل في هذه الآية هم المطلقون لا الاولياء لان جواب الشرط يجب ان يرجع إلى من خوطب بالشرط وهم المطلقون في قوله تعالى (وإذا طلقتم النساء فبلغن اجلهن) والاولياء لم يجر لهم ذكر فيلزم من صرف ذلك إليهم محذوران - احدهما - اخلاء الشرط عن الجزاء - والثانى - عدم الالتئام بعود الضمير إلى غير المذكورين اولا والعضل من الازواج المطلقين ان يمنعوهن من الخروج والمراسلة في عقد النكاح ويحبسوهن ويضيقوا عليهن ويطولوا العدة عليهن واليه الاشارة بقوله تعالى ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا - كانوا يطلقون فإذا قرب انقضاء العدة راجعوا من غير حاجة ضرارا وهذا لان العضل في اللغة هو التضييق والمنع قال أبو عبيد يقال في تفسير الآية انه يطلقها واحدة حتى إذا كادت تنقضي عدتها ارتجعها ثم طلقها اخرى ثم كذلك يطول عليها العدة يضارها بذلك ويقع العضل ايضا من المطلق بان يجلس في المشاهد والمجامع فيصفها بالقحة وقلة الحياء وسوء العشرة وقلة الدين ونحو ذلك مما يزهد الناس فيها ثم لو سلم ان المراد بالآية الاولياء فليس نهيهم عن العضل مما يفهم انه اشتراط اذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازا بوجه من الوجوه إذ له الخطاب لا ظاهرا ولا نصاقا له ابن رشد وقال الامام فخر الدين في تفسيره المختار انه خطاب للازواج لا للاولياء
2- روى البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من رواية الحسن عن معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي فأمنعها ... الحديث، فأنزل الله تعالى هذه الآية {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232].
وجه الدلالة:
أن الراوي يذكر سبب نزول الآية هو منع زواج اخته التي هو وليها، وإن لم يكن وليها لما نزل النهي عن منعها من الزواج.
مناقشة الدليل:
قال الرازي: في طريقه مجهول؛ فلا يكون حجة عندهم (يقصد المخالفين لهذ القول).
3- روى الترمذي حديث ابن عمر: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - _ أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» الحديث.
وجه الدلالة:
في الحديث دلالة على بطلان نكاح المرأة بغر اذن وليها.
مناقشة الدليل:
مداره على الزهري، وابن جريج سأله عنه فلم يعرفه ، وفي رواية فأنكره فسقط عباؤه.
وقال الطحاوي: قد يثبت عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - ما يخالف هذا الحديث .
فإنها زوجت حفصة بنت عبد الرحمن بن المنذر من الزبير، وعبد الرحمن غائب بالشام ...... .
قال ابن رشد :
وأما حديث عائشة فهو حديث مختلف في وجوب العمل به، والأظهر أن ما لا يتفق على صحته أنه ليس يجب العمل به. وأيضا فإن سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي، أعني: المولى عليها. وإن سلمنا أنه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا تعقد على نفسها، أعني: أن لا تكون هي التي تلي العقد، بل الأظهر منه أنه إذا أذن الولي لها جاز أن تعقد على نفسها دون أن تشترط في صحة النكاح إشهاد الولي معها.
4- أخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه أيضا، وروى الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نكاح إلا بولي» .
وجه الأدلة:
في الحديث عدم اكتمال النكاح بدون اذن الولي.
مناقشة الدليل:
رواه إسحاق الهمداني، عن أبي بردة فضعفه شعبة، وسفيان الثوري، وأبو إسحاق مدلس، وقد قال عن أبي بردة؛ فلا يكون حجة.
5- أخرج الدارقطني في سننه من حديث قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين عن ابن مسعود _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - _ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» .
وجه الدلالة:
في الحديث عدم اكتمال النكاح إلا بإذن الولي وشاهدين.
مناقشة الدليل:
فيه بكر بن بكار، قال يحيى: ليس بشيء.
6- روى الدارقطني أيضا من حديث ابن عمر _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - _ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» .
وجه الدلالة:
في الحديث عدم اكتمال النكاح إلا بإذن الولي وشاهدين.
مناقشة الدليل:
فيه ثابت بن زهير، قال أبو حاتم: منكر الحديث، وضعفه ابن عدي، وابن حبان. وقال أبو داود: موقوف على ابن عمر.
7- روى ابن ماجه من رواية هشام عن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» .
وجه الدلالة:
النهي عن تزويج المرأة نفسها.
مناقشة الدليل:
فيه جميل بن الحسن العتكي، ومسلم بن أبي مسلم، لا يعرفان.
8- روى ابن عدي في " الكامل " من حديث قبيصة بن ذؤيب عن معاذ بن جبل _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما امرأة تزوجت بغير ولي فهي زانية» .
وجه الدلالة:
في الحديث النهي عن تزويج المرأة نفسها بدون اذن الولي.
مناقشة الدليل:
فيه نوح بن أبي مريم أبو عصمة، ضعفه ابن معين والدارقطني.
9- روى الطبراني في " الأوسط " من حديث أبي سفيان عن جابر مرفوعا: «لا نكاح إلا بولي فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» .
وجه الدلالة:
في الحديث عدم اكتمال النكاح بدون اذن الولي.
مناقشة الدليل:
فيه ثعلبة بن الوليد أبو محمد الحمصي، وكان مدلسا، وقالوا: أبو مسهر ثعلبة غير ثقة، ويروي عن قوم مجهولين متروكين، لا يحتج بهم.
10- روى ابن عدي في " الكامل " من حديث أصبغ بن نباتة عن علي _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - _ عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له» .
وجه الدلالة:
بطلان تزويج المرأة نفسها بلا ولي.
مناقشة الدليل:
فيه أصبغ بن نباتة أبو القاسم الحنظلي، ليس بثقة ولا يساوي شيئا، قال ابن معين وقال النسائي: متروك الحديث وفيه عمر بن صبيح التميمي أبو نعيم، قال: أنا الذي وضعت خطبة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان يضع الحديث، وفي الجملة قد ضعف البخاري هذه الأحاديث.
وقال يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه: تنسب إليه ثلاثة أحاديث لم تثبت عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
أحدها: «لا نكاح إلا بولي» ، وثانيها: «من مس ذكره فليتوضأ» . ثالثها: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» ، رواه عنهما ابن عون [ ... ] وشمس الدين السبط بن الجوزي.
ثانيا أدلة صحة النكاح بدون ولي:
1- قَوْله تَعَالَى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} (البقرة: الآية 240) .
2- وقَوْله تَعَالَى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} (البقرة: الآية 230) .
3- قَوْله تَعَالَى: {أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} (البقرة: الآية 232) .
4- عن ابن عباس _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - _ أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وإذنها سكوتها»
وجه الدلالة:
في الحديث أن المرأة الأيم لها حق تزوج نفسها.
وقال الجوهري: الأيامى الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء ..... سواء كان تزوج من قبل أو لم يتزوج، وامرأة أيم أيضا بكرا كانت أو ثيبا، ....... قوله: والبكر تستأذن، أي يطلب منها الإذن في نكاحها.
قال السرخسي في المبسوط: أضاف العقد إليهن في هذه الآيات فدل أنها تملك المباشرة
مناقشة الدليل:
معنى الحديث عند أكثر أهل العلم أن الأيم لا تتزوج إلا برضاها ، وليس له علاقة بتزويجها لنفسها بدون ولي .
5- ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس _ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - _عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «ليس للولي من الثيب أمر، والبكر يستأمرها أبوها في نفسها»
وجه الدلالة:
6- قال السندي: ظاهره أنه لا حاجة إلي الولي في نكاح الثيب.
مناقشة الدليل:
قال ابن حبان في صحيحه:
قال أبو حاتم: قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس للولي مع الثيب أمر" يبين لك صحة ما ذهبنا إليه أن الرضا والاختيار إلى النساء، والعقد إلى الأولياء، لنفيه صلى الله عليه وسلم عن الولي انفراد الأمر دونها إذا كانت ثيبا؛ لأن لها الخيار في بضعها والرضا بما يعقد عليها.
7- ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة في " مصنفه «أن رجلا زوج ابنته وهي كارهة، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لا نكاح لك فانكحي ما شئت» .
وجه الدلالة:
في الحديث رد النبي صلى الله عليه وسلم نكاح من زوجها وليها وهي كارهة .
مناقشة الدليل:
الحديث لا يدل على جواز تزويجها لنفسها بل يدل على عدم جواز اكراهها على أن تتزوج من لا ترغب فيه المرأة.
8- حديث عكرمة، عن ابن عباس «أن جارية بكرا أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد ذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وجه الدلالة:
تخير النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بإمضاء النكاح أو فسخه .
مناقشة الدليل:
الحديث أعل بالإرسال ، وكذلك عدم دلالته الواضحة بعدم وجوب الولي في نكاح المرأة .
9- عن الشيباني، عن أمه بحيرة بنت هانئ، قالت: تزوجت القعقاع بن ثور فسألني وجعل لي مذهبا من جوهر على أن يبيت عندي ليلة، فبات، فوضعت له تورا فيه خلوق، فأصبح وهو متضمخ بالخلوق، فقال لي: فضحتني، فقلت له: مثلي يكون شرا؟، فجاء أبي من الأعراب، فاستعدى عليه عليا، فقال علي للقعقاع: «أدخلت؟» فقال: نعم، فأجاز النكاح.
مصنف ابن أبي شيبة (3/ 456)
وجه الدلالة:
قال السرخسي في المبسوط : في هذا دليل على أن المرأة إذا زوجت نفسها أو أمرت غير الولي أن يزوجها فزوجها جاز النكاح وبه أخذ أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - سواء كانت بكرا أو ثيبا إذا زوجت نفسها جاز النكاح في ظاهر الرواية سواء كان الزوج كفؤا لها أو غير كفء فالنكاح صحيح إلا أنه إذا لم يكن كفؤا لها فللأولياء حق الاعتراض، وفي رواية الحسن - رضي الله عنه - إن كان الزوج كفؤا لها جاز النكاح، وإن لم يكن كفؤا لها لا يجوز وكان أبو يوسف - رحمه الله تعالى - أولا يقول: لا يجوز تزويجها من كفء أو غير كفء إذا كان لها ولي ثم رجع وقال: إن كان الزوج كفؤا جاز النكاح، وإلا فلا ثم رجع فقال: النكاح صحيح سواء كان الزوج كفؤا لها أو غير كفء لها
مناقشة الدليل :
السنن الكبرى للبيهقي (7/ 182)
وهذا الأثر مختلف في إسناده ومتنه ومداره على أبي قيس الأودي، وهو مختلف في عدالته وبحرية مجهولة، واشتراط الدخول في تصحيح النكاح، إن كان ثابتا والدخول لا يبيح الحرام، والإسناد الأول عن علي رضي الله عنه في اشتراط الولي إسناد صحيح، فالاعتماد عليه وبالله التوفيق
10- عن معمر، قال: سألت الزهري عن امرأة تزوج بغير ولي، فقال: «إن كان كفؤا جاز» مصنف ابن أبي شيبة (3/ 457)
وجه الدلالة:
جواز تزويج المرأة نفسها بغير ولي بشرط أن يكون كفؤا.
مناقشة الدليل:
هذا الأثر يخالف الأحاديث التي تبطل النكاح بدون ولي.
11-عن علي رضي الله عنه، أنه «أجاز نكاح امرأة بغير ولي، أنكحتها أمها برضاها» مصنف ابن أبي شيبة (3/ 457)
وجه الدلالة:
جواز تزويج المرأة نفسها بغير ولي.
مناقشة الدليل:
ذكر البيهقى من وجوه (ان عليا اجاز نكاح امرأة زوجها امها برضاها) ثم قال (مداره على ابى قيس الاودى وهو مختلف في عدالته).
قال ابن التركماني في الجوهر النقي : احتج به البخاري وصحح الترمذي حديثه وذكره ابن حبان في الثقات
12- يزيد بن هارون، قال: نا يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، أن عائشة أنكحت حفصة ابنة عبد الرحمن بن أبي بكر المنذر بن الزبير، وعبد الرحمن غائب، فلما قدم عبد الرحمن غضب وقال: أي عباد الله، أمثلي يفتات عليه في بناته؟، فغضبت عائشة، وقالت: «أترغب عن المنذر» مصنف ابن أبي شيبة (3/ 457)
وجه الدلالة:
جواز تزويج المرأة غيرها بلا ولي.
مناقشة الدليل:
هذا الأثر يخالف قول عائشة رضي الله عنها في أحاديث أخرى يبطل النكاح بغير ولي.
13- عن ابن فضيل، عن أبيه، عن الحكم، قال: كان علي «إذا رفع إليه رجل تزوج امرأة بغير ولي، فدخل بها أمضاه» مصنف ابن أبي شيبة (3/ 457)
وجه الدلالة:
قال العيني في البناية:
فلو كان وقع باطلا كما زعم الشافعي لما أمضاه
وفيه جواز تزويج المرأة نفسها بغير ولي.
مناقشة الدليل:
قال ابن عبد البر في الاستذكار : قال الحسن بن صالح هو جائز لأن عليا حين أجازه كان بمنزلة الولي
14- حديث في سنن ابن ماجه قال حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا وكيع، عن كهمس بن الحسن، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: " إن أبي زوجني ابن أخيه، ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء "
وجه الدلالة:
رد النبي صلى الله عليه وسلم أمر الفتاة إليه إما أن توافق أو ترفض.
مناقشة الدليل:
في الحديث دلالة على أخذ إذن الفتاة للنكاح وليس له دلالة على النكاح بدون إذن.
15- لما خطب رسول الله أم سلمة - رضي الله عنها - اعتذرت بأعذار من جملتها أن أولياءها غيب فقال: - صلى الله عليه وسلم - ليس في أوليائك من لا يرضى بي قم يا عمر فزوج أمك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاطب به عمر بن أبي سلمة وكان ابن سبع سنين .
وجه الدلالة:
فيه تزويج من لم يبلغ بتزويج امه ولم يشترط وجود الولي البالغ.
مناقشة الدليل:
قال ابن عبدالهادي في تنقيح التحقيق:
وفي هذا الحديث نظرٌ، لأنَّ عمر كان له من العمر يوم تزوَّجها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث سنين، وكيف يقال له: زوِّج؟! وهذا لأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوَّجها في سنة أربع، ومات رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولعمر تسع سنين، فعلى هذا يحمل قولها لعمر: قم فزوِّج= أن يكون على وجه المداعبة للصغير.
ولو صحَّ أن يكون الصغير قد زوَّجها= فلأنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يفتقر نكاحُه إلى وليٍّ، قال أبو الوفاء ابن عقيلٍ: ظاهر كلام أحمد أنَّه يجوز أن يتزوَّج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغير وليٍّ لأنَّه مقطوعٌ بكفاءته.
16- أنها تصرفت في خالص حقها لكونها عاقلة مميزة ولهذا فكما كان لها التصرف في المال، فلها اختيار الأزواج.
وجه الدلالة:
هو دليل عقلي بأن للمرأة التصرف فيما يخصها لوحدها مثل المال وكذلك النكاح وكذلك طلب الطلاق والحضانة والنفقة ونحوها ولم يرد فيها أذن الولي في ذلك.
مناقشة الدليل:
أنه دليل عقلي ويوجد من الأدلة في الكتاب والسنة ما يعارض هذا الدليل العقلي .
بل يوجد دليل عقلي يعارضه بأن المرأة ممكن تخفى عليها أمور من الخاطب تجهلها ولا يتضح لها الصواب من الخطأ.
تدور المسألة على قولين ولكل قول أدلته التي يحتج بها وردوده على أدلة القول الثاني ، الأول جواز تزويج المرأة نفسها بغير ولي ، الثاني لا يجوز تزويج نفسها بغير ولي.
والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم