الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً     أما بعد:

عندما تقرأ كتب الفقه المقارن، تجد أن بعض الأحكام يقال هو فرض، وبعضهم يقول في نفس الحكم هو واجب.

فهل هما بمعنى واحد، أم لكل مصطلح منهما معنى مغاير للثاني؟

نذكر هنا مبحث مختصر لهذه المسألة.

أولاً:

 التعريفات للـــ (الفرض والواجب) في (اللغة والاصطلاح):

تعريف الفرض في اللغة:

  • قال في مقاييس اللغة (4/ 489):

 الفرض هو الذي أوجبه الله تعالى، وسمي بذلك لأن له معالم وحدوداً.

  • قال في النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 432):

وأصل الفرض: القطع.

  • قال في مختار الصحاح (ص: 237) لسان العرب (7/ 205):

(الفرض) الحز في الشيء.

 

تعريف الواجب في اللغة:

قال في التعريفات (ص: 249):

الواجب في اللغة: عبارة عن السقوط، قال الله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} أي سقطت.

 

تعريف الفرض والواجب اصطلاحاً:

الفرض:

  • قال في الفصول في الأصول (3/ 236):

الفرض فهو ما كان في أعلى مراتب الإيجاب، والواجب دون الفرض الواجب.

  • قال في أصول الشاشي (ص: 379):

الفرض هو ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه

  • قال في أصول الشاشي (ص: 379):

وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة كالآية المؤولة والصحيح من الآحاد

 

تعريف الواجب اصطلاحاً:

  • قال في الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع (1/ 11):

هو الفعل المطلوب طلباً جازماً.

  • قال في المحصول لابن العربي (ص: 22):

الواجب هو الذي يذم تاركه.

  • التبصرة في أصول الفقه (ص: 94):

الفرض والواجب واحد وهو ما يعاقب على تركه.

  • اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: 23):

والواجب والفرض والمكتوبة واحد وهو ما يعلق العقاب بتركه.

 

نجد أن تعريف الفرض عند الحنفية ورواية عند الحنابلة يختلف عن تعريف الواجب عندهم، وأن تعريف الفرض هو نفس تعريف الواجب عند بقية المذاهب.

 

ثانياً:

أقوال أهل الأصول من المذاهب الأربعة في الفرق يبنهما، وحاولت أن أنقل القول مه ذكر التعليل الذي يذكره صاحب القول ليُفهم جهة الاستدلال على القول، وختمته بخلاصة تأتي بالأقوال مع عزو كل قول بدون تعليل له.

ونذكر الآن أقوال المذاهب الأربعة على هذه المسألة الأصولية:

أولاً: مذهب الحنفية:

  • قال في أصول الشاشي (ص: 379):

الفرض لغة هو التقدير ومفروضات الشرع مقدراته بحيث لا يحتمل الزيادة والنقصان، وفي الشرع ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، وحكمه لزوم العمل به والاعتقاد به.

والوجوب هو السقوط يعني ما يسقط على العبد بلا اختيار منه، وقيل هو من الوجبة وهو الاضطراب سمي الواجب بذلك لكونه مضطربا بين الفرض والنفل، فصار فرضا في حق العمل حتى لا يجوز تركه، ونفلا في حق الاعتقاد فلا يلزمنا الاعتقاد به جزما، وفي الشرع وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة كالآية المؤولة والصحيح من الآحاد، وحكمه ما ذكرنا.

 

  • كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (2/ 302):

والصحيح ما قيل الفرض ما ثبت بدليل قطعي واستحقق الذم على تركه مطلقا من غير عذر .......... وأما حكم الوجوب أي الواجب فلزومه عملا لا علما أي يجب إقامته بالبدن، ولكن لا يجب اعتقاد لزومه؛ لأن دليله لا يوجب اليقين ولزوم الاعتقاد مبني على الدليل اليقيني.

 

فمذهب الحنفية بأن الفرق بين الفرض والواجب يكون من ثلاث حيثيات، وهي:

الأولى: الحكم، وهو أن الفرض يجب الاعتقاد بوجوبه، وأما الواجب فلا يجب الاعتقاد بوجوبه بل هو نفل.

ثانيهما: العمل، لزوم ووجوب العمل بهما.

ثالثهما: الفرض يثبت بدليل قطعي بالكتاب والسنة المتواترة والاجماع.

والواجب يثبت بدليل ظني كخبر الواحد والقياس المظنون.

 

ثانياً: مذهب المالكية:

  • قال في الأصل الجامع لإيضاح الدرر المنظومة في سلك جمع الجوامع (1/ 11):

(والفرض والواجب مترادفان خلافاً لأبي حنيفة وهو لفظي) أي والفرض والواجب لفظا هما مترادفان، أي اسمان لمعنى واحد، وهو كما علم من حد الايجاب الفعل المطلوب طلبا جازما، وفرق الامام أبو حنيفة بينهما فجعل الفرق ما ثبت بدليل قطعي كالقراءة في الصلاة الثابتة، بقوله تعالى فاقروا ما تيسر من القران، والواجب ما ثبت بدليل ظني كخبر الواحد والقياس.

 

فمذهب المالكية بأن الفرض والواجب بمعنى واحد.

 

ثالثاً: مذهب الشافعية:

  • قال في التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص: 58):

الفرض والواجب عندنا مترادفان.

وقالت الحنفية إنهما متباينان فقالوا إن ثبت التكليف بدليل قطعي بالكتاب والسنة المتواترة فهو الفرض كالصلوات الخمس وإن ثبت بدليل ظني كخبر الواحد والقياس المظنون فهو الواجب ومثلوه بالوتر على قاعدتهم

فإن ادعوا أن التفرقة شرعية أو لغوية فليس في اللغة ولا في الشرع ما يقتضيه

وإن كانت اصطلاحية فلا مشاحة في الاصطلاح.

 

  • قال في التبصرة في أصول الفقه (ص: 94):

الفرض والواجب واحد وهو ما يعاقب على تركه، وقال أصحاب أبي حنيفة الفرض أعلى رتبة من الواجب فالفرض ما ثبت وجوبه بطريق مقطوع به بكتاب أو سنة متواترة أو إجماع والواجب ما ثبت وجوبه بغير ذلك من الأدلة، لنا قوله تعالى {فمن فرض فيهن الحج} وأراد به أوجب الحج، ولأنه لو كان الفرض ما ثبت بطريق مقطوع به لوجب أن تكون النوافل تسمى فرائضا لأنها تثبت أيضا بطريق مقطوع به، ولأن تخصيص الفرض بما ثبت بطريق مقطوع به دعوى لا دليل عليها من جهة الشرع ولا من جهة اللغة فكان باطلا.

 

  • قال في اللمع في أصول الفقه للشيرازي (ص: 23):

والواجب والفرض والمكتوبة واحد، وهو ما يعلق العقاب بتركه، وقال أصحاب أبي حنيفة الواجب ما ثبت وجوبه بدليل مجتهد فيه كالوتر والأضحية عندهم.

 والفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به كالصلوات الخمس والزكوات المفروضة وما أشبهها، وهذا خطأ لأن طريق الأسماء الشرع واللغة والاستعمال وليس في شيء من ذلك فرق بين ما ثبت بدليل مقطوع به أو بطريق مجتهد فيه.

 

  • قال في المستصفى (ص: 53):

فإن قيل: فهل من فرق بين الواجب والفرض؟ قلنا: لا فرق عندنا بينهما بل هما من الألفاظ المترادفة كالحتم واللازم وأصحاب أبي حنيفة اصطلحوا على تخصيص اسم الفرض بما يقطع بوجوبه وتخصيص اسم الواجب بما لا يدرك إلا ظنا، ونحن لا ننكر انقسام الواجب إلى مقطوع ومظنون ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعاني. وقد قال القاضي لو أوجب الله علينا شيئا ولم يتوعد بعقاب على تركه لوجب، فالوجوب إنما هو بإيجابه لا بالعقاب.

وهذا فيه نظر؛ لأن ما استوى فعله وتركه في حقنا فلا معنى لوصفه بالوجوب، إذ لا نعقل وجوبا إلا أن يترجح فعله على تركه بالإضافة إلى أغراضنا، فإذا انتفى الترجيح فلا معنى للوجوب أصلا، وإذا عرفت حد الواجب فالمحظور في مقابلته ولا يخفى حده.

 

  • قال في المحصول للرازي (1/ 95):

فاعلم أنه لا فرق عندنا بين الواجب والفرض والحنفية خصصوا اسم الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع والواجب بما عرف وجوبه بدليل مظنون قال أبو زيد رحمه الله الفرض عبارة عن التقدير قال الله تعالى فنصف ما فرضتم أي قدرتم وأما الوجوب فهو عبارة عن السقوط قال الله تعالى فإذا وجبت جنوبها أي سقطت إذا ثبت هذا فنحن خصصنا اسم الفرض بما عرف وجوبه بدليل قاطع لأنه هو الذي يعلم من حاله أن الله تعالى قدره علينا وهذا الفرق ضعيف لأن الفرض هو المقدر لا انه الذي ثبت كونه مقدرا علما أو ظنا كما أن الواجب هو الساقط لا انه الذي ثبت كونه ساقطا علما أو ظنا وإذا كان كذلك كان تخصيص كل واحد من هذين اللفظين بأحد القسمين تحكما محضا.

 

فمذهب الشافعية بأن الفرض والواجب بمعنى واحد.

 

رابعاً: مذهب الحنابلة:

  • قال في العدة في أصول الفقه (1/ 162):

هل هناك فرق بين الفرض والواجب؟:

وقد اختلفت الرواية عن أحمد -رحمه الله- في الفرض والواجب هل حدُّهما في الشرع حدٌّ واحد، أم بينهما فرق؟ فيه روايتان:

أحدهما: أن حدَّهما واحد.

والثانية: أن الواجب ما ثبت وجوبه بخبر الواحد والقياس، وما اختلف في وجوبه، والفرض ما ثبت وجوبه من طريق مقطوع به، كالخبر المتواتر، أو نص القرآن، أو إجماع الأمة.

 

  • قال في روضة الناظر وجنة المناظر (1/ 102):

وحد الواجب: ما توعد بالعقاب على تركه، وقيل: ما يعاقب تاركه، وقيل: ما يذم تاركه شرعًا.

والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين؛ لاستواء حدهما، وهو قول الشافعي.

والثانية: الفرض آكد.

فقيل: هو اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة، وقيل: ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا، نحو: أركان الصلاة، فإن الفرض في اللغة: التأثير، ومنه فُرضة النهر والقوس.

والوجوب: السقوط، ومنه: "وجبت الشمس والحائط" إذا سقطا، ومنه قوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} 4 فاقتضى تأكد الفرض على الواجب شرعا؛ ليوافق معناه لغة.

 

فمذهب الحنابلة في الفرق بين الفرض والواجب، فيه روايتان عن الإمام أحمد.

الأولى: أنهما بمعنى واحد.

ثانيهما: أنهما يختلفان في طريقة الثبوت، فالفرض يثبت بالمتواتر والإجماع، والواجب يثبت بخبر الواحد والقياس.

 

الخلاصة:

مصطلح الفرض ومصطلح الواجب يطلقان على معنيين مختلفين عند الحنفية ورواية عند الحنابلة.

وتطلق على معنى واحد عند الشافعية والمالكية ورواية عند الحنابلة.

من قال بأنهما يطلقان على معنيين مختلفين، شرح ذلك بقوله:

الاختلاف بينهما من ثلاث حيثيات، وهي:

الأولى: الحكم، وهو أن الفرض يجب الاعتقاد بوجوبه، وأما الواجب فلا يجب الاعتقاد بوجوبه بل هو نفل.

ثانيهما: العمل، لزوم ووجوب العمل بهما.

ثالثهما: الفرض يثبت بدليل قطعي بالكتاب والسنة المتواترة والاجماع.

والواجب يثبت بدليل ظني كخبر الواحد والقياس المظنون.

 

والقول الثاني وهو أنهما لمعنى واحد ولا خلاف بين المصطلحين.

 

والله أعلم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا